الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قوله ( النوع الثاني : قسمة الإجبار . وهي ما لا ضرر فيها ، ولا رد عوض كالأرض الواسعة ، والقرى ، والبساتين ، والدور الكبار ، والدكاكين الواسعة والمكيلات والموزونات من جنس واحد ، سواء كان مما مسته النار كالدبس وخل التمر ، أو لم تمسه . كخل العنب ، والأدهان ، والألبان ونحوها ) بلا نزاع . [ ص: 345 ] وقوله ( فإذا طلب أحدهما قسمه ، وأبى الآخر : أجبر عليه ) بلا نزاع . وكذا يجبر ولي من ليس أهلا للقسمة . لكن مع غيبة الولي : هل يقسم الحاكم عليه ؟ فيه وجهان . ذكرهما في الترغيب . واقتصر عليهما مطلقين في الفروع .

أحدهما : يقسمه الحاكم . قلت : وهو الصواب . لأنه يقوم مقام الولي قال في المحرر : ويقسم الحاكم على الغائب في قسمة الإجبار . وكذا في الوجيز ، وغيره . وقال في الرعاية : ويقسم الحاكم على الغائب في قسمة الإجبار . وقيل : إن كان له وكيل حاضر : جاز ، وإلا فلا وقال : وولي المولى عليه في قسمة الإجبار : كهو وهذا يدل على أن الحاكم يقسمه مع غيبة الولي . وقال في القاعدة الثالثة والعشرين : فإن كان المشترك مثليا في قسمة الإجبار وهو المكيل والموزون فهل يجوز للشريك أخذ قدر حقه بدون إذن الحاكم ، إذا امتنع الآخر أو غاب ؟ على وجهين .

أحدهما : الجواز . وهو قول أبي الخطاب .

والثاني : المنع . وهو قول القاضي . [ ص: 346 ] لأن القسمة مختلف في كونها بيعا ، وإذن الحاكم يرفع النزاع ، والثاني لا يقسمه . فائدة :

قال جماعة عن قسم الإجبار يقسم الحاكم إن ثبت ملكها عنده . منهم الخرقي . وأقره المصنف عليه . وقاله في الرعاية الكبرى بخطه ملحقا . ولم يذكره آخرون . منهم : أبو الخطاب ، وصاحب المذهب ، والخلاصة ، والمحرر ، والرعاية الصغرى ، والحاوي الصغير ، وغيرهم . وجزم به في الروضة . واختاره الشيخ تقي الدين رحمه الله ، كبيع مرهون ، وعبد جان . وقال : كلام الإمام أحمد رحمه الله في بيع ما لا يقسم وقسم ثمنه : عام فيما ثبت أنه ملكهما ، وما لم يثبت ، كجميع الأموال التي تباع . قال : ومثل ذلك : لو جاءته امرأة ، فزعمت أنها خلية لا ولي لها : هل يزوجها بلا بينة ؟ ونقل حرب فيمن أقام بينة بسهم من ضيعة بيد قوم فهربوا منه يقسم عليهم ، ويدفع إليه حقه . قال الشيخ تقي الدين رحمه الله : وإن لم يثبت ملك الغائب . قال في الفروع : فدل أنه يجوز ثبوته ، وأنه أولى . وهو موافق لما يأتي في الدعوى . قال في المحرر : ويقسم حاكم على غائب قسمة إجبار . وقال في المبهج ، والمستوعب : بل مع وكيله فيها الحاضر . واختاره في الرعاية في عقار بيد غائب . وقال الشيخ تقي الدين رحمه الله في قرية مشاعة ، قسمها فلاحوها هل [ ص: 347 ] يصح ؟ قال : إذا تهايئوها ، وزرع كل منهم حصته : فالزرع له ولرب الأرض نصيبه ، إلا أن من ترك نصيب مالكه : فله أخذ أجرة الفضلة أو مقاسمتها .

قوله ( وهذه القسمة إفراز حق أحدهما من الآخر . في ظاهر المذهب . وليست بيعا ) وكذا قال في الهداية ، والمذهب وهو المذهب ، كما قال . وعليه جماهير الأصحاب . وجزم به في الوجيز ، والمنور ، ومنتخب الأدمي ، وتذكرة ابن عبدوس ، وغيرهم . وقدمه في المذهب ، والمستوعب ، والمغني ، والكافي ، والهادي ، والبلغة ، والمحرر ، والنظم ، والرعايتين ، والحاوي الصغير ، وإدراك الغاية ، والفروع ، وتجريد العناية ، وغيرهم . قال الزركشي : هذا المذهب المشهور المختار لعامة الأصحاب . وحكى عن أبي عبد الله بن بطة ما يدل على أنها بيع . قال الزركشي : وقع في تعاليق أبي حفص العكبري عن شيخه ابن بطة : أنه منع قسمة الثمار التي يجري فيها الربا خرصا . وأخذ من هذا : أنها عنده بيع . انتهى . وحكى الآمدي فيه روايتين . قال الشيخ مجد الدين : الذي تحرر عندي فيما فيه رد : أنه بيع فيما يقابل الرد ، وإفراز في الباقي . لأن أصحابنا قالوا في قسمة المطلق عن الوقف : إذا كان فيها رد من جهة صاحب الوقف : جاز . لأنه يشتري به الطلق وإن كان من صاحب الطلق : لم يجز . انتهى وينبني على هذا الخلاف فوائد كثيرة [ ص: 348 ] ذكر المصنف بعضها هنا ، وذكره غيره .

التالي السابق


الخدمات العلمية