الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قوله ( ومن كان له على إنسان حق ، ولم يمكنه أخذه بالحاكم وقدر له على مال : لم يجز له أن يأخذ قدر حقه . نص عليه ) . واختاره عامة شيوخنا . وهو المذهب . نقله الجماعة عن الإمام أحمد رحمه الله . قال المصنف ، والشارح : هذا المشهور في المذهب . قال الزركشي : هذا المذهب المنصوص المشهور . وجزم به في الوجيز ، والخرقي ، وغيرهما . [ ص: 309 ] وقدمه في الفروع ، وغيره . وذهب بعضهم من المحدثين : إلى جواز ذلك . وحكاه ابن عقيل عن المحدثين من الأصحاب . وهو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله . وخرجه أبو الخطاب وتبعه جماعة من الأصحاب من قول الإمام أحمد رحمه الله تعالى في المرتهن : يركب ويحلب بقدر ما ينفق عليه . والمرأة تأخذ مؤنتها ، والبائع للسلعة يأخذها من مال المفلس بغير رضاه . وخرجه في المحرر ، وغيره ، من تنفيذ الوصي الوصية مما في يده إذا كتم الورثة بعض التركة .

قال الزركشي : وهو أظهر في التخريج . فعلى هذا : إن قدر على حبس حقه : أخذ بقدره ، وإلا قومه وأخذ بقدره متحريا للعدل في ذلك لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لهند زوج أبي سفيان رضي الله عنهما { خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف } ولقوله عليه أفضل الصلاة والسلام { الرهن مركوب ومحلوب } . وجزم به في الهداية ، والمحرر ، وغيرهما . وذكر في الواضح : أنه لا يأخذ إلا من جنس حقه . وهما احتمالان في المغني ، والشرح ، مطلقان . قال في القواعد الأصولية : وخرج بعض أصحابنا الجواز ، رواية عن الإمام أحمد رحمه الله ، من جواز أخذ الزوجة من مال زوجها نفقتها ونفقة ولدها بالمعروف وقد نص الإمام أحمد رحمه الله ، على التفريق بينهما . فلا يصح التخريج .

وأشار إلى الفرق بأن المرأة تأخذ من بيت زوجها . يعني : أن لها يدا وسلطانا على ذلك . وسبب النفقة ثابت وهو الزوجية ، فلا تنسب بالأخذ إلى خيانة . [ ص: 310 ] وكذلك أباح في رواية عنه : أخذ الضيف من مال من نزل به ولم يقر بقدر قراه . ومتى ظهر السبب : لم ينسب الآخذ إلى خيانة . وعكس ذلك بعض الأصحاب . وقال . : إذا ظهر السبب : لم يجز الأخذ بغير إذن . لإمكان إقامة البينة عليه ، بخلاف ما إذا خفي . وقد ذكر المصنف ، والشارح في ذلك أربع فروق . فائدة : قال القاضي أبو يعلى ، في قول النبي صلى الله عليه وسلم لهند { خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف } هو حكم لا فتيا . واختلف كلام المصنف فيه . فتارة قطع بأنه حكم . وتارة قطع بأنه فتيا . قال الزركشي : والصواب أنه فتيا .

تنبيهات

أحدها : حيث جوزنا الأخذ بغير إذن ، فيكون في الباطن . قاله في المحرر ، والفروع ، وغيرهما . وظاهر كلام المصنف هنا : جواز الأخذ ظاهرا وباطنا . والأصول التي خرج عليها أبو الخطاب ، والمصنف ، وغيرهما : من حديث هند ، وحلب الرهن وركوبه تشهد لذلك . والأصول التي خرج عليها صاحب المحرر : تقتضي ما قاله . الثاني : مفهوم قوله ( ولم يمكنه أخذه بالحاكم ) . أنه إذا قدر على أخذه بالحاكم : لم يجز له أخذ قدر حقه إذا قدر عليه . وهو صحيح ، وهو المذهب . وعنه : في الضيف : يأخذ ، وإن قدر على أخذه بالحاكم . [ ص: 311 ] وظاهر الواضح : يأخذ الضيف ، وغيره وإن قدر على أخذه بالحاكم . قال في الفروع : وهو ظاهر ما خرجه أبو الخطاب في نفقة الزوجة ، والرهن مركوب ومحلوب . وأخذ سلعته من المفلس . واختار الشيخ تقي الدين رحمه الله : جواز الأخذ ، ولو قدر على أخذه بالحاكم في الحق الثابت بإقرار أو بينة ، أو كان سبب الحق ظاهرا . قال في الفروع : وهو ظاهر كلام ابن شهاب ، وغيره .

الثالثة : محل الخلاف في هذه المسألة : إذا لم يكن الحق الذي في ذمته قد أخذه قهرا . فأما إن كان قد غصب ماله : فيجوز له الأخذ بقدر حقه . ذكره الشيخ تقي الدين رحمه الله ، وغيره . وقال : ليس هذا من هذا الباب . وقال في الفنون : من شهدت له بينة بمال ، لا عند حاكم : أخذه . وقيل : لا . كقود في الأصح . ومحل الخلاف أيضا : إذا كان عين ماله قد تعذر أخذه . فأما إن قدر على عين ماله : أخذه قهرا . زاد في الترغيب : ما لم يفض إلى فتنة . قال : ولو كان لكل واحد منهما على الآخر دين من غير جنسه ، فجحد

أحدهما : فليس للآخر أن يجحد ، وجها واحدا . لأنه كبيع دين بدين . لا يجوز ، ولو رضيا . انتهى .

فائدة :

لو كان له دين على شخص ، فجحده : جاز له أخذ قدر حقه ، ولو من غير جنسه على الصحيح من المذهب . وهو من المفردات . قال ناظمها : [ ص: 312 ] ومع مجرد الدين لا بالظفر يؤخذ من جنسه في الأشهر قوله ( وحكم الحاكم لا يزيل الشيء ، عن صفته في الباطن ) . وهو المذهب . وعليه الأصحاب . وذكر ابن أبي موسى رواية عنه : أنه يزيل العقود والفسوخ . وذكرها أبو الخطاب . قال في الفروع : وحكى عنه : بحيلة في عقد وفسخ مطلقا . وأطلقهما في الوسيلة . قال الإمام أحمد رحمه الله : الأهل أكثر من المال وقال في الفنون : إن حنبليا نصرها . فاعتبرها باللعان . وعنه : يرسله في مختلف فيه قبل الحكم . قطع به في الواضح وغيره . قال في المحرر : حكم الحاكم لا يحيل الشيء عن وصفه في الباطن ، إلا في أمر مختلف فيه قبل الحكم . فإنه على روايتين . قال في الرعايتين بعد أن حكى الروايتين في الأول وقيل : هما في أمر مختلف فيه قبل الحكم . فعلى هذه الرواية : لو حكم حنفي لحنبلي ، أو لشافعي ، بشفعة جوار : فوجهان وأطلقهما في الفروع . ومن حكم لمجتهد ، أو عليه بما يخالف اجتهاده : عمل باطنا بالحكم . ذكره القاضي . وقيل : باجتهاده وإن باع حنبلي متروك التسمية فحكم بصحته شافعي : نفذ عند أصحابنا خلافا لأبي الخطاب . قال ابن نصر الله في حواشيه : قول أبي الخطاب أظهر . [ ص: 313 ] إذ كيف يحكم له بما لا يستحله . فإنه إن كان مجتهدا لزمه العمل باجتهاده . وإن كان مقلدا : لزمه العمل بقول من قلده . فكيف يلزمه شيء ولا يلزمه . فيجتمع الضدان . إلا أن يراد : ويلزمه الانقياد للحكم ظاهرا ، والعمل بضده باطنا ، كالمرأة التي تعتقد أنها محرمة على زوجها ، وهو ينكر ذلك . لكن في جواز إقدام الحاكم على الحكم بذلك من يعتقد تحريمه نظر ، لأنه إلزام له بفعل محرم . لا سيما على قول من يقول : كل مجتهد مصيب . انتهى فوائد

الأولى : قال في الانتصار : متى علم البينة كاذبة : لم ينفذ . وإن باع ماله في دين ثبت بينة زور ، ففي نفوذه منع وتسليم . قال الشيخ تقي الدين رحمه الله : هل يباح له بالحكم ما اعتقد تحريمه قبل الحكم ؟ فيه روايتان . وفي حل ما أخذه وغيره بتأويل ، أو مع جهله : روايتان . وإن رجع المتأول ، فاعتقد التحريم : روايتان . بناء على ثبوت الحكم قبل بلوغ الخطاب . قال : وأصحهما حله . كالحربي بعد إسلامه وأولى . وجعل من ذلك : وضع طاهر في اعتقاده في مائع لغيره . قال في الفروع : وفيه نظر . وذكر جماعة : إن أسلم بدار الحرب ، وعامل بربا جاهلا : رده . وقال في الانتصار : ويحد لزنا .

الثانية : من حكم له ببينة زور بزوجية امرأة : حلت له حكما . [ ص: 314 ] فإن وطئ مع العلم : فكزنا ، على الصحيح من المذهب . وقيل : لا حد . ويصح نكاحها لغيره ، خلافا للمصنف . وإن حكم بطلاقها ثلاثا بشهود زور فهي زوجته باطنا . ويكره له اجتماعه بها ظاهرا ، خوفا من مكروه يناله . ولا يصح نكاحها غيره ممن يعلم الحال . ذكره الأصحاب . ونقله أحمد بن الحسن . قال المصنف في المغني : إن انفسخ باطنا جاز . وكذا قال في عيون المسائل ، على الرواية الثالثة : تحل للزوج الثاني . وتحرم على الأول بهذا الحكم ظاهرا وباطنا .

الثالثة : لو رد الحاكم شهادة واحد برمضان : لم يؤثر كملك مطلق ، وأولى . لأنه لا مدخل لحكمه في عبادة ووقت . وإنما هو فتوى . فلا يقال : حكم بكذبه ، أو بأنه لم يره . ولو سلم أن له مدخلا ، فهو محكوم به في حقه من رمضان ، فلم يغيره حكم . ولم تؤثر شبهة . لأن الحكم يغير إذا اعتقد المحكوم عليه أنه حكم . وهذا يعتقد خطأه ، كمنكرة نكاح مدع تيقنه ، فشهد له فاسقان ، فردا . ذكر في الانتصار . وقال المصنف في المغني : رده ليس بحكم هنا . لتوقفه في العدالة . ولهذا لو ثبت حكم . قال الشيخ تقي الدين رحمه الله : أمور الدين والعبادات المشتركة بين المسلمين لا يحكم فيها إلا الله ورسوله إجماعا . وذكره القرافي . قال في الفروع : فدل أن إثبات سبب الحكم كرؤية الهلال ، والزوال : ليس بحكم . فمن لم يره سببا لم يلزمه شيء . [ ص: 315 ] وعلى ما ذكره الشيخ تقي الدين رحمه الله ، وغيره في رؤية الهلال : أنه حكم . وقال القاضي في الخلاف : يجوز أن يختص الواحد برؤية كالبعض .

الرابعة : لو رفع إليه حكم في مختلف فيه : لا يلزمه نقضه لينفذه : لزمه تنفيذه . على الصحيح من المذهب . قال في الفروع : لزمه في الأصح . وجزم به في المحرر ، والنظم ، والرعايتين ، والحاوي ، والمنور ، وتذكرة ابن عبدوس ، وغيرهم . قال في الرعاية الكبرى : لزمه ذلك . قلت : مع عدم نص معارضة . وقيل : لا يلزمه . وقيل : يحرم تنفيذه إن لم يره . وكذا الحكم لو كان نفس الحكم مختلفا فيه ، كحكمه بعلمه ، ونكوله ، وشاهد ويمين . على الصحيح من المذهب . قدمه في الفروع . وقال في المحرر : فإن كان المختلف فيه نفس الحكم : لم يلزمه تنفيذه ، إلا أن يحكم به حاكم آخر قبله . وجزم به في النظم ، والرعايتين ، والحاوي الصغير ، والمنور ، وغيرهم . قال ابن نصر الله في حواشي الفروع : الحكم بالنكول والشاهد واليمين هو المذهب . فكيف لا يلزمه تنفيذه على قول المحرر ؟ إذ لو كان أصل الدعوى عنده : لزمه الحكم بها . وإنما يتوجه ذلك وهو عدم لزوم التنفيذ لحكم مختلف فيه إذا كان الحاكم الذي رفع إليه الحكم المختلف فيه لا يرى صحة الحكم كالحكم بعلمه . [ ص: 316 ] لأن التنفيذ يتضمن الحكم بصحة الحكم المنفذ . إذا كان لا يرى صحته : لم يلزمه الحكم بصحته . انتهى وقال الشيخ تقي الدين رحمه الله : إذا صادف حكمه مختلفا فيه لم يعلمه ولم يحكم فيه : جاز نقضه .

الخامسة : قال شارح المحرر هنا : نفس الحكم في شيء لا يكون حكما بصحة الحكم فيه ، لكن لو نفذه حاكم آخر : لزمه إنفاذه . لأن الحكم المختلف فيه صار محكوما به ، فلزم تنفيذه كغيره . قال شيخنا الشيخ تقي الدين بن قندس البعلي رحمه الله : قد فهم من كلام الشارح : أن التنفيذ حكم . لأنه قال " لو نفذه حاكم آخر لزمه تنفيذه لأن الحكم المختلف فيه صار محكوما به . وإنما صار محكوما به بالتنفيذ ، لأنه لم يحكم به ، وإنما نفذه " فجعل التنفيذ حكما . وكذلك فسر التنفيذ بالحكم في شرح المقنع الكبير . فإنه قال عند قول المصنف : فهل ينفذه ؟ على روايتين .

إحداهما : ينفذه . وعلله بأنه حكم حاكم لم يعلمه . فلم يجز إنفاذه إلا ببينة .

والرواية الثانية : يحكم به . ففسر رواية التنفيذ بالحكم . لكن قال في مسألة : ما إذا ادعى أن الحاكم حكم له بحق ، فذكر الحاكم حكمه : أمضاه . وألزم خصمه بما حكم به عليه . وليس هذا حكما بالعلم وإنما هو إمضاء لحكمه السابق . فصرح : أنه ليس حكما ، مع أن رواية التنفيذ المتقدمة التي فسرها بالحكم : إنما هي إمضاء لحكمه الذي وجده في قمطره فهما بمعنى واحد . [ ص: 317 ] وقد ذكروا في السجل : أنه لإنفاذ ما ثبت عنده والحكم به . وإنما يكتب . " وأن القاضي أمضاه وحكم به على ما هو الواجب في مثله . ونفذه ، وأشهد القاضي فلان على إنفاذه وحكمه وإمضائه من حضره من الشهود " . فذكروا الإنفاذ والحكم والإمضاء . وذكروا أنه يكتب على كل نسخة من النسختين : أنها حجة فيما أنفذه فيها . فدل على أن الإنفاذ حكم . لأنهم اكتفوا به عن الحكم والإمضاء ، والمراد : الكل . انتهى كلام شيخنا . وقال ابن نصر الله في حواشي الفروع : لم يتعرض الأصحاب للتنفيذ : هل هو حكم أم لا ؟ والظاهر : أنه ليس بحكم . لأن الحكم بالمحكوم به تحصيل للحاصل . وهو محال . وإنما هو عمل بالحكم وإمضاء له . كتنفيذ الوصية ، وإجازة له . فكأنه يجيز هذا المحكوم به بعينه لحرمة الحكم . وإن كان ذلك المحكوم به من جنس غير جائز عنده . انتهى . وقال في موضع آخر : لأن التنفيذ يتضمن الحكم بصحة الحكم المنفذ . انتهى . وتقدم في آخر الباب الذي قبله " هل الثبوت حكم أم لا ؟ "

السادسة : لو رفع إليه خصمان عقدا فاسدا عنده فقط ، وأقرا بأن نافذ الحكم حكم بصحته : فله إلزامهما ذلك ورده ، والحكم بمذهبه . ذكره القاضي . واقتصر عليه في المحرر ، والفروع ، وغيرهما . وقال الشيخ تقي الدين رحمه الله : قد يقال : قياس المذهب : أنه كالبينة . ثم ذكر : أنه كالبينة إن عينا الحاكم . [ ص: 318 ]

السابعة : لو قلد في صحة نكاح : لم يفارق بتغير اجتهاده ، كحكم . على الصحيح من المذهب . وقيل : بلى ، كمجتهد نكح ثم رأى بطلانه . في أصح الوجهين فيه . وقيل : ما لم يحكم به حاكم . ولا يلزمه إعلامه بتغيره في أصح الوجهين .

الثامنة : لو بان خطؤه في إتلاف بمخالفة دليل قاطع : ضمن ، لا مستفتيه . وفي تضمين مفت ليس أهلا : وجهان . وأطلقهما في الفروع . واختار ابن حمدان في كتابه " أدب المفتي والمستفتي " أنه لا ضمان عليه قال ابن القيم رحمه الله في " إعلام الموقعين " في الجزء الأخير : ولم أعرف هذا القول لأحد قبل ابن حمدان . ثم قال : قلت خطأ المفتي خطأ الحاكم أو الشاهد .

التاسعة : لو بان بعد الحكم كفر الشهود ، أو فسقهم : لزمه نقضه . ويرجع بالمال ، أو بدله ، وبدل قود مستوفي على المحكوم له . وإن كان الحكم لله بإتلاف حسي ، أو بما سرى إليه : ضمنه مزكون على الصحيح من المذهب . قدمه في المحرر ، والفروع ، والنظم ، والرعايتين ، والحاوي ، وغيرهم . وقال القاضي ، وصاحب المستوعب : يضمنه الحاكم . لعدم مزك وفسقه . وقيل : يضمن أيهما شاء . وإقرار على مزك . وعند أبي الخطاب : يضمنه الشهود . وذكر ابن الزاغوني : أنه لا يجوز له نقض حكمه بفسقهما إلا بثبوته ببينة ، إلا أن يكون حكم يعلمه في عدالتهما ، أو بظاهر عدالة الإسلام . [ ص: 319 ] ويمنع ذلك في المسألتين في إحدى الروايتين . وإن جاز في الثانية : احتمل وجهين فإن وافقه المشهود له على ما ذكر : رد مالا أخذه ونقض الحكم بنفسه دون الحاكم . وإن خالفه فيه : غرم الحاكم . وأجاب أبو الخطاب : إذا بان له فسقهما وقت الشهادة ، وأنهما كانا كاذبين : نقض الحكم الأول ، ولم يجز له تنفيذه . وأجاب أبو الوفاء : لا يقبل قوله بعد الحكم . وعنه : لا ينقض لفسقهم . وذكر ابن رزين في شرحه : أنه الأظهر . فلا ضمان . وفي المستوعب وغيره : يضمن الشهود . انتهى . وإن بانوا عبيدا ، أو والدا ، أو ولدا ، أو عدوا . فإن كان الحاكم الذي حكم به يرى الحكم به : لم ينقض حكمه . وإن كان لا يرى الحكم به : نقضه ولا ينفذ . لأن الحاكم يعتقد بطلانه . قاله في الفروع . وقال ابن نصر الله في حواشيه : إذا حكم بشهادة شاهد ، ثم ارتاب في شهادته : لم يجز له الرجوع في حكمه . وقال في موضع آخر : تحرر فيما إذا كان لا يرى الحكم به ثلاثة أقوال : لزوم النقض ، وجوازه ، وعدم جواز نقضه ، كما هو مقتضى ما في الإرشاد . انتهى . وقال في المحرر : من حكم بقود ، أو حد ببينة ، ثم بانوا عبيدا : فله نقضه إذا كان لا يرى قبولهم فيه . قال : وكذا مختلف فيه صادق ، ما حكم فيه وجهله . وتقدم كلامه في الإرشاد : أنه إذا حكم في مختلف فيه بما لا يراه مع علمه : لا ينقض . [ ص: 320 ] فعلى الأول : إن شك في رأي الحاكم ، فقد تقدم " إذا شك هل علم الحاكم بالمعارض ، كمن حكم ببينة خارج ، وجهل علمه ببينة داخل : لم ينقض ؟ " .

قال في الفروع : وقد علم مما تقدم ومما ذكروا في نقض حكم الحاكم : أنه لا يعتبر في نقض حكم الحاكم علم الحاكم بالخلاف ، خلافا لمالك رحمه الله وإن قال : علمت وقت الحكم أنهما فسقة ، أو زور ، وأكرهني السلطان على الحكم بهما ، فقال ابن الزاغوني : إن أضاف فسقهما إلى علمه : لم يجز له نقضه . وإن أضافه إلى غير علمه : افتقر إلى بينة بالإكراه . ويحتمل : لا . وقال أبو الخطاب ، وأبو الوفاء : إن قال " كنت عالما بفسقهما " يقبل قوله . وقال في الفروع : كذا وجدته .

التالي السابق


الخدمات العلمية