الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
2 - حدثنا عبد الله بن جعفر ، قال : ثنا إسماعيل بن عبد الله ، قال : ثنا علي بن عبد الله [ ص: 40 ] ، قال : ثنا مروان ، عن يزيد بن كيسان ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة ، قال : قيل : يا رسول الله ، ألا تدعو على المشركين ؟ قال : " إنما بعثت نعمة ولم أبعث عذابا " .

ومن فضائله : إخبار الله عز وجل عن إجلال قدر نبيه صلى الله عليه وسلم ، وتبجيله ، وتعظيمه ، وذلك أنه ما خاطبه في كتابه ، ولا أخبر عنه إلا بالكناية التي هي النبوة والرسالة التي لا أجل منها فخرا ، ولا أعظم خطرا ، وخاطب غيره من الأنبياء وقومهم وأخبر عنهم بأسمائهم ، ولم يذكرهم بالكناية التي هي غاية المرتبة ، إلا أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم في جملتهم بمشاركته معهم في الخطاب والخبر ، فأما في حال الانفراد ، فما ذكرهم إلا بأسمائهم ، والكناية عن الاسم غاية التعظيم للمخاطب المجلل والمدعو العظيم ، لأن من بلغ به غاية التعظيم كني عن اسمه ، إن كان ملكا قيل له : يا أيها الملك ، وإن كان أميرا قيل له : يا أيها الأمير ، وإن كان خليفة قيل : يا أيها الخليفة ، وإن كان ديانا قيل : يا أيها الحبر ، أيها القس ، أيها العالم ، أيها الفقيه ، ففضل الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم ، وبلغ به غاية الرتبة وأعالي الرفعة فقال لنبيه : يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا ، يا أيها النبي حسبك الله ، يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ، يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك في آيات كثيرة [ ص: 41 ] ، وخاطب آدم ومن دونه من النبيين بأسمائهم وكذلك الإخبار عنهم ، فقال : يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة ، وعصى آدم ربه فغوى في الإخبار عنه ، و يا نوح اهبط ، ونادى نوح ابنه ، و يا إبراهيم أعرض عن هذا ، و وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت ، و يا موسى إني اصطفيتك على الناس ، وقال : فوكزه موسى فقضى عليه ، و يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك ، وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل ، وكذلك غيرهم من الأنبياء يا هود ما جئتنا ببينة ، و يا صالح ائتنا بما تعدنا ، و يا داود إنا جعلناك ، ولقد فتنا سليمان ، و يا زكريا إنا نبشرك ، و يا يحيى خذ الكتاب ، كل أولئك خوطبوا بأسمائهم .

فكل موضع ذكر محمدا عليه السلام باسمه أضاف إليه ذكر الرسالة ، فقال : وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ، وقال : محمد رسول الله ، وقال : ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله ، وقال : وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم ، فسماه ليعلم من جحده أن أمره وكتابه هو الحق ؛ ولأنهم لم يعرفوه إلا بمحمد ، ولو لم يسمه لم يعلم اسمه من الكتاب ، وكذلك سائر الأنبياء لو لم يسموا في الكتاب ما عرفت أساميهم ، كتسمية الله له محمدا ، وذلك كله زيادة في جلالته ونبالته ونباهته ، وشرفه ؛ لأن اسمه مشتق من اسم لله ، كما مدحه عمه فقال :


وشق له من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد



ثم جمع في الذكر بين اسم خليله ونبيه ، فسمى خليله باسمه [ ص: 42 ] وكنى حبيبه بالنبوة ، فقال : إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي ، فكناه إجلالا ، ورفعه لفضل مرتبته ، ونباهته عنده .

ثم قدمه في الذكر على من تقدمه في البعث ، فقال : إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب إلى قوله تعالى : وآتينا داود زبورا ، وقال : وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح .

التالي السابق


الخدمات العلمية