الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
فصل [في سبب عزل خالد بن سعيد]

وكان سبب عزل أبي بكر رضي الله عنه خالد بن سعيد ما روى ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر ، قال: قدم خالد بن سعيد من اليمن بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فتربص ببيعة أبي بكر شهرين ، ولقي علي بن أبي طالب ، وعثمان رضي الله عنهما ، فقال: يا بني عبد مناف ، لقد طبتم نفسا عن أمركم يليه غيركم ، فأما أبو بكر فلم يجعلها عليه ، وأما عمر فاضطغنها عليه . فلما أمره قال عمر: أتؤمره وقد صنع ما صنع ، وقال ما قال ، فلم يزل به حتى عزله ، وأمر يزيد بن أبي سفيان . ثم جعله ردا بتيماء ، فأطاع عمر في بعض أمره ، وعصاه في بعض ، وقال له: انزل بتيماء ولا تبرح ، وادع من حولك بالانضمام إليك ، ولا تقاتل إلا من قاتلك حتى يأتيك أمري . فاجتمع إليه جموع كثيرة وبلغ الروم عظم ذلك العسكر ، فضربوا على العرب البعوث ، فكتب بالخبر إلى أبي بكر رضي الله عنه ، فكتب إليه ، أقدم تحجم ، واستنصر الله ، فسار إليهم خالد فتفرقوا وأعروا منزلهم فنزله ، ودخل عامة من كان يجمع له في الإسلام ، فسار بمن معه فأقبل إليه بطريق من بطارقة الروم يدعى باهان فهزمه وقتل جنده ، وكتب بذلك إلى أبي بكر الصديق واستمده . [ ص: 117 ]

ولما بلغ [الخبر] الروم وأحوال الأمراء المبعوثين كتبوا إلى هرقل ، فقال لأصحابه: أرى من الرأي ألا تقاتلوا هؤلاء القوم ، وأن تصالحوهم ، فلم يقبلوا منه ، فخرج هرقل حتى نزل بحمص ، فعبى لهم العساكر ، وبعث إلى تذارق ، فخرج في تسعين ألفا ، فنزلوا على فلسطين ، وبعث جرجة بن وذار نحو يزيد ابن أبي سفيان . فعسكر بإزائه ، وبعث إليه الدارقص فاستقبل شرحبيل بن حسنة ، وبعث الفيقار بن نسطوس في ستين ألفا نحو أبي عبيدة ، فهابهم المسلمون ، وكتب المسلمون إلى أبي بكر وإلى عمر: ما الرأي؟ فكتب عمر: الرأي الاجتماع ، فاتعدوا باليرموك ، وجاء كتاب إلى أبي بكر رضي الله عنه بمثل رأي عمر ، اجتمعوا باليرموك ، فتكونوا عسكرا واحدا ، ولن يؤتى مثلكم من قلة ، الله ناصر من نصره ، وليصل كل رجل منكم بأصحابه .

فبلغ ذلك هرقل ، فكتب إلى بطارقته: اجتمعوا لهم ، وانزلوا بالروم منزلا واسع العطن ، واسع المطرد ، ضيق المهرب ، وعلى الناس التذارق ، وعلى المقدمة جرجه ، وعلى مجنبتيه باهان والداراقص ، وعلى العرب الفيقار .

ففعلوا ونزلوا الواقوصة ، وهي على ضفة اليرموك ، وصار الوادي خندقا لهم ، ونزل المسلمون بحذائهم على طريقهم ، وليس للروم طريق إلا عليهم ، فقال عمرو: أبشروا حصرت الروم ، وقلما حاصر قوم قوما إلا ظفروا بهم ، وأقاموا بذلك صفرا من سنة ثلاث عشرة ، وشهري ربيع لا يقدرون من الروم على شيء ، ولا يخلصون إليهم ولا يخرج الروم خرجة إلا أديل [المسلمون] عليهم . [ ص: 118 ]

وكتب أبو بكر إلى خالد أن يلحق بهم ، وأمره أن يخلف على العراق المثنى ، فوافاهم في ربيع ، وأمد هرقل الروم بباهان ، فطلع عليهم وقد قدم قدامه الشمامسة والرهبان والقسيسين يحضونهم على القتال ، فوافى قدومهم قدوم خالد ، فقاتل خالد باهان ، وقاتل الأمراء من يليهم ، فهزم باهان ، وتتابعت الروم على الهزيمة ، فاقتحموا خندقهم . وكان المشركون مائتي ألف وأربعين ألفا ، منهم ثمانون ألف مقيد ، وأربعون ألفا مسلسل للموت ، وأربعون ألفا مربطون بالعمائم للموت ، وثمانون ألف فارس ، وثمانون ألف راجل . وكان المسلمون سبعة وعشرين ألفا إلى أن قدم خالد في تسعة آلاف ، فصاروا ستة وثلاثين ألفا . وقيل: ستة وأربعين ألفا ، فمرض أبو بكر رضي الله عنه ، وتوفي قبل الفتح بعشر ليال .

التالي السابق


الخدمات العلمية