الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وفي هذه السنة إعانة أهل حمص من المسلمين في المحرم

روى محمد بن الحسين ، بإسناده عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو وسعد ، قالوا: خرجت الروم وقد تكاتبوا هم وأهل الجزيرة يريدون أبا عبيدة والمسلمين بحمص ، فضم أبو عبيدة إليه مسالحه ، فعسكر بفناء مدينة حمص ، وأقبل خالد من قنسرين حتى انضم إليه ، فاستشارهم أبو عبيدة في المناجزة والتحصن إلى مجيء الغياث ، فكان خالد يأمره أن يناجزهم ، وكان سائرهم يأمرونه بأن يتحصن ويكتب إلى عمر ، فأطاعهم وعصى خالدا ، وكتب عمر إلى سعد: اندب الناس مع القعقاع بن عمرو ، وسرحهم في يومهم الذي يأتيك فيه كتابي إلى حمص ، فإن أبا عبيدة قد أحيط به ، وتقدم إليهم في الجد والحث .

وكتب إليه أيضا: أن سرح سهيل بن عدي إلى الجزيرة في الجند ، وليأت الرقة؛ فإن أهل الجزيرة هم الذين استثاروا الروم على أهل حمص . فمضى القعقاع في أربعة آلاف نحو حمص ، وخرج عمر من المدينة مغيثا لأبي عبيدة يريد حمص حتى نزل الجابية ، وخرج أبو عبيدة ففتح الله عليه ، وانقض العدو ، وقدم القعقاع بعد ثلاث من يوم الوقعة ، وكتب إلى عمر بالفتح وهو بالجابية ، فكتب عمر: أشركوهم فإنهم نفروا إليكم ، وتفرق بهم عدوكم .

وانتهى سهيل بن عدي إلى أهل الرقة ، وقد ارفض أهل الجزيرة فحاصرهم فصالحوه ، وخرج عبد الله بن عبد الله بن عتبان إلى نصيبين فصالحوه كما فعل أهل الرقة ، وسار عياض مع سهيل وعبد الله إلى حران ، فأخذ ما دونها ، فلما انتهى إليها اتقوه بالجزية فقتل منهم . [ ص: 224 ]

ومضى سهيل وعبد الله إلى الرهاء فأجابوه بالجزية ، واستعمل عمر حبيب بن سلمة على عجم الجزيرة وحربها ، واستعمل الوليد بن عقبة على عرب الجزيرة .

وقد ذكرنا أن عمر أتى الشام أربع مرات ، مرتين في سنة ستة عشر ، ومرتين في سنة سبعة عشر ، فأما هذه المرة فإنه لم يدخلها لأجل الطاعون ، والخرجة الرابعة أذن له بلال حين حضرت الصلاة ، فبكى الناس عند ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فكان أشدهم بكاء عمر رضي الله عنه .

[أخبرنا عبد الأول ، قال: أخبرنا الداودي ، قال: أخبرنا ابن أعين ، قال: أخبرنا الفربري ، قال: حدثنا البخاري ، قال: حدثنا عبد الله بن يوسف ، قال: أخبرنا مالك ، عن ابن شهاب ، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب ، عن عبد الله بن عبد الله بن الحارث بن نوفل ] ، عن عبد الله بن عباس :

أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج إلى الشام حتى إذا [كان] يسرع لقيه أمراء الأجناد -أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه- فأخبره أن الوباء قد وقع بالشام ، قال ابن عباس: قال لي عمر: ادع لي المهاجرين الأولين . فدعوتهم ، فاستشارهم ، وأخبرهم أن الوباء قد وقع بالشام ، فاختلفوا ، فقال بعضهم: قد خرجت لأمر ، ولا نرى أن ترجع عنه . وقال بعضهم: معك بقية الناس وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء فقال: ارتفعوا عني . ثم قال: ادع لي الأنصار ، فدعوتهم ، فاستشارهم ، فسلكوا سبيل المهاجرين ، واختلفوا كاختلافهم . فقال: ارتفعوا عني . ثم قال: ادع لي من كان [ها هنا] من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح ، فدعوتهم فلم يختلف منهم عليه رجلان ، فقالوا: نرى أن ترجع بالناس ولا تقدمهم على هذا الوباء . فنادى عمر في الناس: إني مصبح على ظهر ، فأصبحوا عليه . فقال أبو عبيدة بن الجراح :

أفرار من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة ، نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله ، أرأيت إن كان لك إبل هبطت واديا له عدوتان: إحداهما خصيبة ، والأخرى جدبة ، [ ص: 225 ] أليس إن رعيت الخصيبة رعيتها بقدر الله ، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟ قال: فجاء عبد الرحمن بن عوف -وكان متغيبا في بعض حاجته- فقال: إن عندي في هذا علما ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه ، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه" . قال فحمد الله عمر ، ثم انصرف .


أخرجاه في الصحيحين .

التالي السابق


الخدمات العلمية