الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ومن ذلك أنه أنفذ جيش أسامة بن زيد [وارتد من ارتد]

[أخبرنا محمد بن الحسين ، وإسماعيل بن أحمد ، قال: حدثنا ابن النقور ، قال:

أخبرنا المخلص ، قال حدثنا أحمد بن عبد الله ، قال: حدثنا السري بن يحيى ، قال:

حدثنا شعيب بن إبراهيم ، قال: حدثنا سيف بن عمر ، عن أبي ضمرة عن أبيه] ، عن عاصم بن عدي ، قال:

نادى منادي أبي بكر من بعد الغد من يوم توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ليتم بعث أسامة ، ألا لا يبقين بالمدينة أحد من جند أسامة إلا خرج إلى عسكره بالجرف . وقام في الناس ، فحمد الله وأثنى عليه ، وقال: يا أيها الناس ، إنما أنا مثلكم ، وإني لا أدري [ ص: 74 ] لعلكم ستكلفونني ما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يطيق ، إن الله اصطفى محمدا على العالمين وعصمه من الآفات .

[وحدثنا سيف] عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، قال: لما بويع أبو بكر وجمع الأنصار على الأمر الذي افترقوا عنه ، قام ليتم بعث أسامة ، وقد ارتدت العرب ، ونجم النفاق ، واشرأبت اليهودية والنصرانية ، والمسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية ، لفقد نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم وقلتهم وكثرة عدوهم ، فقال له الناس: إن هؤلاء جل المسلمين ، والعرب على ما ترى [قد انتقضت بك] ، فليس ينبغي لك أن تفرق عنك جماعة المسلمين . فقال أبو بكر: والذي نفس أبي بكر بيده ، لو ظننت أن السباع تخطفني لأنفذت بعث أسامة كما أمر به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولو لم يبق في القرى غيري لأنفذته .

فلما فصل أسامة ارتدت العرب وتروخي عن مسيلمة وطليحة ، فاستغلظ أمرهما وارتدت غطفان إلا ما كان من أشجع وخواص من الأفناء ، وقدمت هوازن رجلا وأخرت أخرى ، أمسكوا الصدقة إلا ما كان من ثقيف ، وارتدت خواص من سليم ، وكذلك سائر الناس بكل مكان ، وقدمت رسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من اليمن واليمامة وبلاد بني أسد ، فكان أول من صادم أبو بكر عبسا وذبيان ، عاجلوه فقاتلهم قبل رجوع أسامة .

قال ربيعة الأسدي: قدمت وفود أسد وغطفان وهوازن وطيئ فعرضوا الصلاة على أن يعفوا من الزكاة ، واجتمع جماعة من المسلمين على قبول ذلك منهم ، فأتوا أبا بكر فأبى إلا ما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأخذ ، وأجلهم يوما وليلة ، فتطايروا إلى عشائرهم .

قال الشعبي: قال أبو بكر لعمر وعثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير وسعد وأمثالهم: أترون ذلك - يعني قبول الصلاة منهم دون الزكاة - قالوا: نعم [ ص: 75 ] حتى تسكن الناس وترجع الجنود ، فقام فحمد الله وأثنى عليه ، وقال: لو منعوني عقالا مما أعطوه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما قبلت منهم ألا برئت الذمة من رجل من هؤلاء الوفود وجد بعد يومه وليلته ، فتواثبوا يتخطون رقاب الناس ، ثم أمر عليا رضي الله عنه بالقيام على نقب من أنقاب المدينة ، وأمر الزبير بالقيام على نقب ، وأمر طلحة بالقيام على نقب آخر ، وأمر عبد الله بن مسعود بالعسيس بالليل وجد في أمره وقام على رجل .

وقال إبراهيم النخعي: أول ما ولي أبو بكر ولى عمر القضاء وأمر ابن مسعود بعسس المدينة .

قال علماء السير: وجاء المشركون فطرقوا المدينة بعد ثلاث ، فوافقوا أنقاب المدينة محروسة [فبهتوهم] ، وخرج أبو بكر في أهل المسجد على النواضح إليهم ، فانقش العدو فاتبعهم المسلمون فإذا للمشركين ردء بأنحاء قد نفخوها ، ثم دهدهوها بأرجلهم في وجوه الإبل ، فنفرت بالمسلمين [وهم عليها] حتى دخلت بهم المدينة ، [فلم يصرع مسلم ولم يصب] .

وبات أبو بكر ليلتئذ يتهيأ ، فعبى الناس ، وخرج على تعبيته في آخر الناس يمشي ، وعلى ميمنته النعمان بن مقرن ، وعلى ميسرته عبد الله بن مقرن ، وعلى الساقة سويد بن مقرن [معه الركاب] ، فما طلع الفجر إلا وهم والعدو في صعيد واحد ، فما سمعوا للمسلمين حسا حتى وضعوا فيهم السيوف ، فما ذر قرن الشمس حتى ولى المشركون الأدبار . واتبعهم أبو بكر حتى نزل بذي القصة ، ونزل بها النعمان بن مقرن في عدد ، ورجع إلى المدينة فدك بها المشركون ، فوثب بنو ذبيان وعبس على من كان فيهم من المسلمين ، فقتلوهم . [ ص: 76 ]

وقدم أسامة بعد أن غاب شهرين وأياما ، فاستخلفه أبو بكر على المدينة ، وقال له ولجنده: أريحوا وارعوا ظهوركم .

ثم خرج في الذين خرجوا إلى ذي القصة ، والذين كانوا على الأنقاب ، فقال له المسلمون: ننشدك الله يا خليفة رسول الله أن تعرض نفسك ، فإنك إن تصب لم يكن للناس نظام ، ومقامك أشد على العدو ، فابعث رجلا ، فإن أصيب أمرت آخر ، فقال:

والله لا أفعل ولأواسينكم بنفسي ، فخرج في تعبيته إلى ذي القصة ، فنزلها وهي على بريد من المدينة فقطع فيها الجنود .

فلما أراح أسامة وجنده ظهرهم وحموا قطع أبو بكر البعوث ، وبلغ عقد الألوية ، أحد عشر لواء على أحد عشر جندا ، وأمر أمير كل جند باستنفار من مر به من المسلمين من أهل القوة ، فعقد لخالد بن الوليد وأمره بطليحة بن خويلد ، فإذا فرغ منه سار إلى مالك بن نويرة ، وعقد لعكرمة بن أبي جهل وأمره بمسيلمة ، وللمهاجر بن أبي أمية وأمره بجنود العنسي ، ومعونة الأبناء على قيس بن المكشوح ، ثم يمضي إلى كندة بحضرموت . ولخالد بن سعيد بن العاص إلى الشام ، ولعمرو بن العاص إلى قضاعة ووديعة والحارث ، وما زال يعين لكل أمير قوما يقصدهم .

وقال ابن إسحاق: ارتدت بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عامة العرب ، فأشار الناس على أبي بكر رضي الله عنه بالكف عنهم ، وأن يقبل منهم أن يصلوا ولا يؤتوا الزكاة ، وقالوا:

نخاف أن تلج العرب كلها في الرجوع عن الإسلام ، فقال: والله لو منعوني عقالا مما كانوا يؤدون إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقاتلتهم عليه ، ووالله لو كان الناس كلهم كذلك لقاتلتهم بنفسي حتى تذهب أو يكون الدين لله .

قال عمر بن الخطاب: ما بقي أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا أنا ولا غيري إلا وقد داخله فشل وطابت نفسه على ترك الزكاة لمن منعها غير أبي بكر ، فوالله ما هو إلا أن رأيت ما شرح الله صدر أبي بكر من القيام بأمر الله ، فعرفت أنه الحق . [ ص: 77 ]

وقال ابن إسحاق: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعث الزبرقان بن بدر السعدي على صدقات قومه بني سعد بن زيد مناة ، وبعث مالك بن نويرة الحنظلي على صدقات بني حنظلة ، وبعث عدي بن حاتم على صدقات طيئ ، فبلغهم وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد كانوا قبضوا الصدقات .

فأما مالك بن نويرة فإنه ردها إلى قومه ، وأما عدي والزبرقان فإن قومهما سألوهما أن يرداها عليهم فأبيا وقالا: لا نرى إلا أنه سيقوم بهذا الأمر قائم بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فإن كان ذلك دفعناها إليه ، وإن كان غير ذلك فأموالكم في أيديكم . فأمسكا الصدقة حتى قدما بها على أبي بكر ، فلم يزل لهما بذلك شرف على من سواهما من أهل نجد ، وكانت [تلك] الصدقة مما قوي بها أبو بكر على قتال أهل الردة .

فلما أراد أن يتجهز لحرب أهل الردة خرج بالناس حتى نزل بذي القصة ، فعبأ هنالك جنوده ، فبعث خالد بن الوليد في المهاجرين والأنصار ، وجعل ثابت بن قيس على الأنصار وأمره إلى خالد ، وأمره أن يصمد لطليحة وعيينة ، وكانا على بزاخة وهي ماء من مياه بني أسد ، فسار خالد حتى إذا دنا من القوم بعث عكاشة بن محصن وثابت بن أقرم طليعة ، فقدما وكان طليحة وأخوه مسلمة قد خرجا ليستخبرا ، فإذا هما بعكاشة وثابت ، فقتلاهما ، فلما مر بهما خالد مقتولين اشتد ذلك على المسلمين ، وقالوا: سيدان من سادات المسلمين وفرسانهم .

فمال خالد إلى طيئ فاستعان بهم على الحرب ، فسار حتى أتى بزاخة ، وبها عيينة في بني فزارة وطليحة في بني أسد ، وكانت بنو عامر في ناحية ينتظرون الدبرة على من تكون ، وكان طليحة متلففا في كساء له قد غطى وجهه ليجيئه الوحي زعم ، وعيينة في الحرب ، فكان إذا أضجرته الحرب جاء إلى طليحة فيقول: هل جاءك جبريل؟

فيقول: لا ، إلى أن قال عيينة: يا بني فزارة ، إن هذا كذاب فاجتنبوه ، فتفرقوا عنه ، فقال:

له قومه: ما تأمرنا ، فقال طليحة: اصنعوا مثل ما أصنع ، ثم جال في متن فرسه ، وحمل امرأته ثم مضى هاربا إلى الشام ، فشد خالد بمن معه على بني فزارة فقتل من قتل منهم ، وأخذ عيينة أسيرا ، ثم كر على بني عامر ففضهم ، وأخذ قرة بن هبيرة أسيرا ، فأوثقه مع [ ص: 78 ] عيينة ، ثم بعث بهما إلى أبي بكر ، ومضى طليحة وأصحابه إلى الشام فأصابهم في طريقهم عطش شديد ، فقالوا: يا عامر ، هلكنا عطشا فما بقي من كهانتك ، فقال لرجل منهم: يا محراق اركب فرسا ويبالا ، ثم شن عليه إقبالا ، فإنك سترى فارات طوالا ، ثم تجد عندها حلالا .

فركب مخراق فرأى الفارات وعندها عين ، فشربوا وسقوا دوابهم ، ثم مضى إلى الشام ، فلما علم من هناك من المسلمين بطليحة أخذوه فأوثقوه ثم وجهوا به إلى أبي بكر ، فتوفي أبو بكر وطليحة في الطريق ، فقدم به على عمر فأسلم وحسن إسلامه .

التالي السابق


الخدمات العلمية