الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ذكر بيعة أبي بكر رضي الله عنه

ذكر الواقدي عن أشياخه: أن أبا بكر رضي الله عنه بويع يوم قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

وقال ابن إسحاق: بويع أبو بكر رضي الله عنه يوم الثلاثاء من الغد الذي قبض فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سقيفة بني ساعدة .

[أخبرنا ابن الحصين ، قال: أخبرنا ابن المذهب ، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر ، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد ، حدثني أبي ، قال: حدثنا إسحاق بن عيسى الطباع ، قال: حدثنا مالك بن أنس ، قال: حدثني ابن شهاب ، عن عبيد الله بن عبد الله [بن عتبة بن مسعود] ، عن ابن عباس ، قال: قال عمر بن الخطاب]:

كان من خبرنا حين توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن عليا والزبير ومن كان معهما تخلفوا في بيت فاطمة [رضي الله عنها] بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وتخلفت عنا الأنصار بأجمعهم في سقيفة بني ساعدة ، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر رضي الله عنه ، فقلت له: يا أبا بكر ، انطلق بنا إلى إخواننا من الأنصار ، فانطلقنا نؤمهم حتى لقينا رجلان صالحان ، فذكرا لنا الذي صنع القوم ، وقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ فقلنا: نريد [ ص: 65 ] إخواننا هؤلاء من الأنصار ، فقالا: لا عليكم ، لا تقربوهم ، واقضوا أمركم [يا معشر المهاجرين] . فقلت: والله لنأتينهم .

فانطلقنا حتى جئناهم في سقيفة بني ساعدة ، فإذا هم مجتمعون ، وإذا بين ظهرانيهم رجل مزمل ، فقلت: من هذا؟ فقالوا: سعد بن عبادة . فقلت: ما له؟

قالوا: وجع . فلما جلسنا قام خطيبهم ، فأثنى على الله عز وجل بما هو أهله ، وقال: أما بعد ، فنحن أنصار الله عز وجل وكتيبة الإسلام ، وأنتم يا معشر المهاجرين رهط منا ، وقد دفت دافة منكم تريدون أن تخزلونا من أصلنا ، وتحصنونا من الأمر . فلما سكت أردت أن أتكلم ، وكنت قد زورت مقالة أعجبتني أردت أن أقولها بين يدي أبي بكر رضي الله عنه ، وقد كنت أداري منه بعض الحد ، وهو كان أحلم مني وأوقر ، فقال أبو بكر رضي الله عنه: على رسلك . فكرهت أن أغضبه ، [وكان أحلم مني وأوقر] ، والله ما ترك كلمة أعجبتني في تزويري إلا قالها في بديهته وأفضل ، حتى سكت .

قال: أما بعد ، فما ذكرتم من خير فأنتم له أهل ، ولم تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش ، هم أوسط العرب نسبا ودارا ، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين أيهما شئتم ، وأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح ، فلم أكره مما قال غيرها ، وكان والله أن أقدم فتضرب عنقي ، لا يقربني ذلك إلى إثم أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر رضي الله عنه ، إلا أن تغر نفسي عند الموت ، فقال قائل من الأنصار: [ ص: 66 ]

أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب ، منا أمير ومنكم أمير [يا معشر قريش قال:] فكثر اللغط ، وارتفعت الأصوات ، حتى خشيت الاختلاف ، فقلت: ابسط يدك يا أبا بكر ، فبسط يده فبايعته ، وبايعه المهاجرون ، ثم بايعه الأنصار .

[أخبرنا محمد بن أبي طاهر ، قال: أخبرنا الجوهري ، قال: أخبرنا ابن حيويه ، قال: أخبرنا ابن معروف ، قال: أخبرنا ابن الفهم ، قال: أخبرنا محمد بن سعد ، قال:

أخبرنا يزيد بن هارون ، قال: أخبرنا العوام] ، عن إبراهيم التيمي ، قال:

لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتى عمر أبا عبيدة بن الجراح ، فقال: ابسط يدك فلأبايعك فإنك أمين هذه الأمة على لسان محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال أبو عبيدة لعمر:

ما رأيت لك فهة قبلها منذ أسلمت ، أتبايعني وفيكم الصديق وثاني اثنين؟ .

قال ابن سعد: [أخبرنا وكيع ، عن أبي بكر الهذلي ، عن الحسن ، قال: قال علي رضي الله عنه] .

لما قبض النبي صلى الله عليه وآله وسلم . نظرنا في أمرنا فوجدنا النبي عليه السلام قد قدم أبا بكر في الصلاة ، فرضينا لدنيانا من رضي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لديننا ، فقدمنا أبا بكر .

قال ابن سعد: [أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري ، قال: حدثنا] ابن عون ، [عن محمد] . [ ص: 67 ]

أن أبا بكر قال لعمر: ابسط يدك نبايع لك ، فقال له عمر: أنت أفضل مني ، قال له أبو بكر: أنت أقوى مني ، فقال له عمر: إن قوتي بك مع فضلك .

وقال ابن إسحاق: بايع أبا بكر المهاجرون والأنصار كلهم غير سعد بن عبادة .

[أخبرنا محمد بن الحسين ، وإسماعيل بن أحمد ، أخبرنا ابن النقور ، أخبرنا ابن المخلص ، أخبرنا أحمد بن عبد الله بن سيف ، حدثنا السرير بن يحيى ، حدثنا شعيب بن إبراهيم ، حدثنا سيف بن عمر ، عن ميسر] ، عن جابر ، قال:

قال سعد بن عبادة يومئذ لأبي بكر: إنكم يا معشر المهاجرين حسدتموني على الإمارة ، وإنك وقومي أجبرتموني على البيعة ، فقال: أما لو أجبرناك على الفرقة فصرت إلى الجماعة كنت في سعة ولكنا أجبرناك على الجماعة فلا إقالة لها ، لإن نزعت يدا من طاعة ، أو فرقت جماعة لأضربن الذي فيه عيناك .

[روى سيف ، عن ثابت بن معاذ الزيات ، عن الزهري ، عن يزيد بن معن] السلمي ، قال:

قام سعد بن عبادة يوم السقيفة فبايع ، فقال له أبو بكر: لئن اجتمع إليك مثلها رجلان لأقتلنك .

[وحدثنا سيف ، عن يحيى بن سعيد] ، عن سعيد بن المسيب ، قال:

أول من بايع أبا بكر المهاجرون إلى الظهر ، ثم الأنصار في دورهم إلى العصر ، ثم رجع إلى المسجد فبايعه البقايا ، وجاء أهل الجرف فيما بين ذلك إلى الصباح .

قال ابن إسحاق: بايع أبا بكر المهاجرون والأنصار كلهم غير سعد بن عبادة ، لأن الأنصار كانت قد أرادت أن تجعل البيعة له ، فقال له عمر: لا تدعه حتى يبايع ، فقال له بشير بن سعد أبو النعمان وكان أول من صفق على يدي أبي بكر: إنه قد لج وليس بمبايعكم أو يقتل ، وليس بمقتول حتى يقتل معه ولده وأهل بيته وطائفة من عشيرته ، فإن تركتموه فليس تركه بضاركم ، إنما هو واحد ، فقبل أبو بكر نصيحة بشير ومشورته ، وكف [ ص: 68 ] عن سعد ، فكان سعد لا يصلي بصلاتهم ، ولا يصوم بصيامهم ، وإذا حج لم يفض بإفاضتهم ، فلم يزل كذلك حتى توفي أبو بكر وولي عمر ، فلم يلبث إلا يسيرا حتى خرج [مجاهدا] إلى الشام فمات بحوران في أول خلافة عمر ، ولم يبايع أحدا .

التالي السابق


الخدمات العلمية