الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قصة أهل اليمامة

[قال المصنف]: ولما فرغ خالد من البطاح أقبل إلى المدينة فدخل المسجد وعليه ثياب [عليها] صدأ الحديد ، وعليه عمامة قد غرز فيها ثلاثة أسهم ، فلما رآه [ ص: 80 ] عمر رضي الله عنه قال: أرئاء يا عدو الله ، عدوت على رجل من المسلمين فقتلته ثم تزوجت امرأته ، لئن أمكنني الله منك لأرجمنك ، ثم تناول الأسهم فكسرها وخالد ساكت لا يرد عليه شيئا يظن أن ذلك عن رأي أبي بكر ، فلما دخل على أبي بكر أخبره الخبر واعتذر إليه فصدقه وقبل عذره ، وكان عمر يحرض أبا بكر على عزله ، وأن يقيد منه ، فقال أبو بكر: مه يا عمر ، ما هو بأول من أخطأ ، فارفع لسانك عن خالد ، ثم ودى مالكا وأمر خالدا أن يتجهز للخروج إلى مسيلمة الكذاب ، ووجه معه المهاجرين والأنصار ، وكان ثمامة بن أثال الحنفي قد كتب إلى أبي بكر رضي الله عنه يخبره أن أمر مسيلمة قد استغلظ .

فبعث أبو بكر عكرمة بن أبي جهل وأتبعه شرحبيل بن حسنة ، وقال: الحق بعكرمة فاجتمعا على قتال مسيلمة وهو عليك ، فإن فرغتم فانصرفا إلى قضاعة ، وأنت عليه ، فلما أحس عكرمة بذلك أغذ السير فقدم على ثمامة فأنهضه ، فقال ثمامة: لا تفعل فإن أمر الرجل مستكثف وقد بلغني أن خلفك جندا فيتلاحقون ، فأبى عكرمة وعاجلهم مسيلمة فالتقوا فاقتتلوا فأصيب من المسلمين ، فبعث أبو بكر إلى عكرمة فصرفه إلى وجه آخر .

فلما قدم خالد من البطاح أمره أبو بكر بالسير إلى مسيلمة ، فخرج حتى إذا كان قريبا من اليمامة تقدمت خيل المسلمين ، فإذا هم بمجاعة بن مرارة الحنفي في ستة نفر من بني حنيفة ، فجاءوا بهم إلى خالد ، فقال لهم: يا بني حنيفة ما تقولون؟ فقالوا:

منا نبي ومنكم نبي ، فعرضهم على السيف ، فبقي منهم مجاعة ورجل يقال له: سارية بن عامر .

فلما قدم سارية ليقتل قال لخالد: إن كنت تريد بأهل هذه القرية خيرا أو شرا فاستبق هذا الرجل يعني مجاعة ، ففعل ذلك ، وأوثقه في الحديد ثم دفعه إلى امرأته ، وقال: استوصي به خيرا ، ثم مضى حتى نزل منزلا من اليمامة ، فعسكر به ، فخرج إليه مسيلمة ، وكان عدد بني حنيفة أربعين ألف مقاتل ، وقدم مسيلمة أمامه الرحال بن عنفوة ، وقد كان الرحال قدم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأسلم وقرأ سورة البقرة . [ ص: 81 ]

فلما رجع إلى مسيلمة شهد له في جماعة من بني حنيفة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يشركه في الأمر ، وأنه قد أعطي النبوة كما أعطيها ، وكان قوله أشد على أهل اليمامة من فتنة مسيلمة .

قال أبو هريرة: جلست في رهط عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إن فيكم لرجلا ضرسه في النار مثل أحد" . فهلك القوم وبقيت أنا والرحال فكنت متخوفا لها حتى خرج الرحال مع مسيلمة ، فشهد له بالنبوة قالوا: الرجال .

فخرج يومئذ في مقدمة مسيلمة ومعه محكم اليمامة ، وهو محكم بن طفيل ، والتقى الناس ، فكانت راية المهاجرين مع سالم مولى أبي حذيفة ، فقالوا له: انظر كيف تكون؟ إياك أن تفر ، قال: بئس حامل القرآن أنا إذن ، فقاتل حتى قتل . وقال أبو حذيفة: يا أهل القرآن ، زينوا القرآن بالأفعال ، وحمل فأنفذهم حينئذ [وقتل] .

وكانت راية الأنصار مع ثابت بن قيس بن شماس ، واقتتل الناس قتالا شديدا ، فقتل الرحال ومحكم اليمامة ، أما الرحال فقتله زيد بن الخطاب ، وأما محكم فقتله عبد الرحمن بن أبي بكر ، وثبت مسيلمة ، ثم جال المسلمون حوله فتراجعوا ، فدخلت بنو حنيفة في فسطاط خالد فرعلوه بسيوفهم ، وحمل رجل منهم على أم تميم بالسيف ، فألقى مجاعة عليها رداءه ، وقال: إنها في جواري فنعم الحرة ما علمت ، فأصيب من المسلمين ألف ومائتا رجل ، وانكشف باقيهم . فلما رأى ذلك ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري ، قال: يا معشر المسلمين ، بئس ما عودتم أنفسكم ، ثم قال: اللهم إني أبرأ إليك من هؤلاء - يعني المشركين - وأعتذر إليك مما فعل هؤلاء - يعني المسلمين - ثم قاتل وجالد بسيفه حتى قتل . وكان قد ضرب فقطعت رجله فرمى بها قاتله . فقتله . وقاتل زيد بن الخطاب أخو عمر حتى قتل . فلما رجع عبد الله بن عمر ، فقال له: هلا هلكت قبل زيد ، فقال: قد عرضت على ذلك ولكن الله أكرمه بالشهادة .

وفي رواية أخرى أنه قال له: ما جاء بك وقد هلك زيد ، ألا واريت وجهك عني . [ ص: 82 ]

وكان البراء بن مالك أخو أنس إذا حضر الحرب أخذته العدواء - يعني الرعدة - حتى يقعد عليه الرجال ، ثم ينهم كالأسد ، فلما رأى ما أصاب الناس أخذه ما كان يأخذه ، فثاب إليه ناس من المسلمين ، فقاتلوا قتالا شديدا حتى انحازت بنو حنيفة واتبعهم المسلمون حتى أصاروهم إلى حديقة فدخلوها ثم أغلقوا عليهم ، فقال البراء: احملوني والقوني إليهم ، فألقوه إليهم ففتح الباب للمسلمين وقد قتل عشرة ، فقتل في هذه الحديقة وفي هذه المعركة بضعة عشر ألف مقاتل . وكانت بنو حنيفة تقول لمسيلمة حين رأت خذلانها: أين ما كنت تعدنا؟ فيقول: قاتلوا عن أحسابكم . وقتل الله عز وجل مسيلمة ، اشترك في قتله رجلان: رجل من الأنصار ، ووحشي مولى جبير بن مطعم . وكان وحشي يقول: وقعت فيه حربتي وضربه الأنصاري والله يعلم أينا قتله .

وكان يقول: قتلت خير الناس وشر الناس ، حمزة ومسيلمة . وكانوا يقولون: قتله العبد الأسود ، فأما الأنصاري فلا شك أن أبا دجانة سماك بن خرشة قتله .

فلما أخبر خالد بقتل مسيلمة خرج بمجاعة يرسف في حديده ليدله على مسيلمة ، فمر بمحكم بن الطفيل ، فقال خالد: هذا صاحبكم؟ قال: لا هذا والله خير منه وأكرم ، ثم دخل الحديقة ، فإذا رويجل أصيفر أخينس ، فقال له مجاعة: هذا صاحبكم قد فرغتم [منه] ، فقال خالد: هذا فعل بكم ما فعل ، قال: قد كان ذلك يا خالد ، وإنه والله ما جاءك إلا سرعان الناس ، وإن جماهير الناس لفي الحصون .

قال: ويلك ما تقول؟

قال: هو والله الحق ، فهلم لأصالحك على قومي . فدعني حتى آتيهم وأصالحهم عنك ، فإنهم يسمعون مني ، ودخل الحصن ، فأمر الصبيان والنساء فلبسوا السلاح ثم أشرفوا عليه وخالد يظنهم رجالا ، فلما نظر إليهم وقد قتل أكثر أصحابه صالح مجاعة [ ص: 83 ] عنهم الربع من السبي والحمراء والبيضاء والحلقة ، ثم علم بعد ذلك أنهم كانوا صبيانا ونساء ، فقال لمجاعة: خدعتني ، فقال: قومي أفنتهم الحرب ، فلا تلمني فيهم .

فلما فرغ من صلحهم إذا كتاب من أبي بكر رضي الله عنه قد جاءه أن يقتل منهم كل من أنبت ، فجاءه الكتاب بعد الصلح ، فمضى عليهم الصلح ، فلم يقتلوا ، ثم خطب خالد إلى مجاعة ابنته ، فقال له: مهلا أيها الرجل إنه قاطع ظهري وظهرك عن صاحبك تزوج النساء وحول أطنابك دماء ألف ومائتي رجل من المسلمين ، فقال: زوجني لا أبا لك ، فزوجه فبلغ ذلك أبا بكر رضي الله عنه ، فكتب إليه: لعمري يا ابن أم خالد ، إنك لفارغ حين تتزوج النساء وحول حجرتك دماء المسلمين لم تجف بعد ، فإذا جاءك كتابي فالحق بمن معك من جموعنا بأهل الشام ، واجعل طريقك على العراق ، فقال وهو يقرأ الكتاب: هذا عمل الأعيسر - يعني عمر بن الخطاب .

قال علماء السير: قتل من المسلمين يوم اليمامة أكثر من ألف ، وقتل من المشركين نحو عشرين ألفا ، وكانت حرب اليمامة سنة إحدى عشرة في قول جماعة منهم أبو معشر . فأما ابن إسحاق فإنه قال: فتح اليمامة واليمن والبحرين ، وبعث الجنود إلى الشام في سنة اثنتي عشرة .

التالي السابق


الخدمات العلمية