الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 170 ] [يوم أرماث]

[أخبرنا محمد بن الحسين الحاجي ، وإسماعيل بن أحمد ، قالا: أخبرنا ابن النقور ، أخبرنا المخلص ، أخبرنا أحمد بن سيف ، قال: أخبرنا السري بن يحيى ، قال: أخبرنا شعيب بن إبراهيم ، قال: حدثنا سيف] ، عن الأعمش ، قال: لما كان يوم السكر ، لبس رستم درعين ومغفرا ، وأخذ سلاحه وأتى بفرسه فوثب ، فإذا هو عليه ، ولم يضع رجله في الركاب ، ثم قال: غدا ندقهم دقا ، فقال له رجل: إن شاء الله ، فقال: وإن لم يشأ .

قالوا: ولما عبر أهل فارس أخذوا مصافهم ، وجلس [رستم] على سريره ، وعبى في القلب ثمانية عشر فيلا ، عليها الصناديق والرجال ، وفي المجنبتين ثمانية وسبعة ، عليها الصناديق والرجال . وكان يزدجرد قد أقام رجلا على باب إيوانه ، يبلغه أخبار رستم ، وآخر في الدار ، وآخر خارج الدار ، وكذلك إلى عند رستم ، فكلما حدث أمر تكلم به الأول فيبلغه الثاني إلى الثالث ، كذلك إلى يزدجرد .

أخذ المسلمون مصافهم ، وكان سعد يومئذ به دماميل ، لا يستطيع أن يركب ولا يجلس ، إنما هو على وجهه في صدره وسادة ، وهو مكب عليها ، مشرف على الناس ، يرمي بالرقاع فيها أمره ونهيه إلى خالد بن عرفطة .

وأن سعدا خطب من يليه ، يوم الاثنين في المحرم سنة أربع عشرة ، فحمد الله وأثنى عليه ، وقال: إن الله عز وجل يقول: ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون .

[ ص: 171 ]

هذا ميراثكم وموعود ربكم ، فأنتم منذ ثلاث حجج تطعمون منه ، وتقتلون أهله ، فإن تزهدوا في الدنيا وترغبوا في الآخرة يجمع الله لكم الدنيا والآخرة ، ولا يقرب ذلك أحدا إلى أجله ، وإن تفشلوا وتضعفوا تذهب ريحكم ، وتوبقوا آخرتكم .

وقام عاصم بن عمرو في المجردة ، فقال: هذه بلاد قد أحل الله [لكم] أهلها ، وأنتم تنالون منهم منذ ثلاث سنين ما لا ينالون منكم ، وأنتم الأعلون والله معكم ، إن صبرتم فالضرب والطعن ، ولكم أموالهم ونساؤهم وأبناؤهم وبلادهم ، ولئن فشلتم لم يبق هذا الجمع منكم باقية ، مخافة أن تعودوا عليهم [بعائدة هلاك] ، الله الله ، اجعلوا همكم الآخرة .

وخطب كل أمير أصحابه ، وتحاضوا على الطاعة . وأذن مؤذن سعد لصلاة الظهر ، وقال رستم: أكل عمر كبدي ، أحرق الله كبده ، علم هؤلاء حتى علموا .

وأرسل سعد الذين انتهى إليهم رأي الناس ونجدتهم ، مثل: المغيرة ، وحذيفة ، وعاصم بن عمرو . ومن أهل النجدة: طليحة ، وقيس الأسدي ، وغالب ، وعمرو بن معديكرب . ومن الشعراء الشماخ ، والحطيئة ، وأوس بن مغراء ، وعبدة بن الطبيب ، وقال: انطلقوا فقوموا في الناس فذكروهم وحرضوهم على القتال .

فقال عاصم: يا معشر العرب ، إنكم أعيان العرب ، وقد صمدتم لأعيان العجم ، وإنما تخاطرون بالجنة ، ويخاطرون بالدنيا ، فلا يكونن على دنياهم أحوط منكم على آخرتكم ، لا تحدثن اليوم أمرا يكون شيئا على العرب غدا . [ ص: 172 ]

وقام كل واحد بنحو هذا الكلام ، وتواثق الناس وتعاهدوا ، وفعل أهل فارس [مثل ذلك] ، واقترنوا بالسلاسل ، وكان المقترنون ثلاثين ألفا .

وقال سعد: الزموا مواقفكم ، لا تحركوا شيئا حتى تصلوا الظهر ، فإذا صليتم الظهر فإني مكبر تكبيرة ، فكبروا واستعدوا ، واعلموا أن التكبير لم يعطه أحد قبلكم ، وإنما أعطيتموه تأييدا [لكم] . ثم إذا سمعتم الثانية فكبروا ، ولتستتم عدتكم ، ثم إذا كبرت الثالثة فكبروا ، ولينشط فرسانكم الناس ليبرزوا وليطاردوا ، فإذا كبرت الرابعة فارجفوا جميعا حتى تخالطوا عدوكم ، وقولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله .

فلما كبر ثلاث مرات خرج غالب بن عبد الله الأسدي ، فبرز إليه هرمز ، فأسره غالب ، وجاء به إلى سعد ، وخرج طليحة إلى عظيم منهم فقتله ، وقام بنو أسد فبالغوا في جهاد الفيلة ودفعها ، فكبر سعد الرابعة فزحف إليهم المسلمون ، وحملت الفيلة على الميمنة ، والميسرة على الخيول .

وأقبل أصحاب عاصم على الفيلة ، فقطعوا خراطيمها ، فارتفع عواؤها ، واقتتلوا حتى غربت الشمس ، وحتى ذهب هدة من الليل ، ثم تراجعوا ، وأصيب في تلك العشية خمسمائة رجل ، وهذا يومها الأول ، وهو يوم أرماث .

التالي السابق


الخدمات العلمية