الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب العين وما بعدها في المضاعف والمطابق والأصم

جزء التالي صفحة
السابق

( عق ) العين والقاف أصل واحد يدل [ على الشق ] ، وإليه يرجع فروع الباب بلطف نظر . قال الخليل : أصل العق الشق . قال : وإليه يرجع العقوق .

[ ص: 4 ] قال : وكذلك الشعر ينشق عنه الجلد . وهذا الذي أصله الخليل - رحمه الله - صحيح . وبسط الباب بشرحه هو ما ذكره فقال : يقال عق الرجل عن ابنه يعق عنه ، إذا حلق عقيقته ، وذبح عنه شاة . قال : وتلك الشاة عقيقة . وفي الحديث : " كل امرئ مرتهن بعقيقته " . والعقيقة : الشعر الذي يولد به . وكذلك الوبر . فإذا سقط عنه مرة ذهب عنه ذلك الاسم . قال امرؤ القيس :


يا هند لا تنكحي بوهة عليه عقيقته أحسبا



يصفه باللؤم والشح . يقول : كأنه لم يحلق عنه عقيقته في صغره حتى شاخ . وقال زهير يصف الحمار :


أذلك أم أقب البطن جأب     عليه من عقيقته عفاء



قال ابن الأعرابي : الشعور والأصواف والأوبار كلها عقائق وعقق ، واحدتها عقة . قال عدي :


صخب التعشير نوام الضحى     ناسل عقته مثل المسد



وقال رؤبة :


طير عنها اللس حولي العقق



[ ص: 5 ] ويقال أعقت النعجة ، إذا كثر صوفها ، والاسم العقيقة . وعققت الشاة : جززت عقيقها ، وكذلك الإبل . والعق : الجز الأول . ويقال : عقوا بهمكم فقد أعق ، أي جزوه فقد آن له أن يجز . وعلى هذا القياس يسمى نبت الأرض الأول عقيقة . والعقوق : قطيعة الوالدين وكل ذي رحم محرم . يقال عق أباه فهو يعقه عقا وعقوقا . قال زهير :


فأصبحتما منها على خير موطن     بعيدين فيها من عقوق ومأثم



وفي المثل : " ذق عقق " . وفي الحديث أن أبا سفيان قال لحمزة - رضي الله عنه - وهو مقتول : " ذق عقق " يريد يا عاق . وجمع عاق عققة . ويقولون : " العقوق ثكل من لم يثكل " ، أي إن من عقه ولده فكأنه ثكلهم وإن كانوا أحياء . و " هو أعق من ضب " ; لأن الضب تقتل ولدها . والمعقة : العقوق .

قال النابغة :


أحلام عاد وأجساد مطهرة     من المعقة والآفات والأثم



ومن الباب انعق البرق . وعقت الريح المزنة ، إذا استدرتها ، كأنها تشقها شقا . قال الهذلي : [ ص: 6 ]

حار وعقت مزنه الريح وان     قار به العرض ولم يشمل



وعقيقة البرق : ما يبقى في السحاب من شعاعه; وبه تشبه السيوف فتسمى عقائق . قال عمرو بن كلثوم :


بسمر من قنا الخطي لدن     وبيض كالعقائق يختلينا



والعقاقة : السحابة تنعق بالبرق ، أي تنشق . وكان معقر بن حمار كف بصره ، فسمع صوت رعد فقال لابنته : أي شيء ترين ؟ قالت : " أرى سحماء عقاقة ، كأنها حولاء ناقة ، ذات هيدب دان ، وسير وان " . فقال : " يا بنتاه ، وائلي بي إلى قفلة فإنها لا تنبت إلا بمنجاة من السيل " . والعقوق : مكان ينعق عن أعلاه النبت . ويقال انعق الغبار . إذا سطع وارتفع . قال العجاج :


إذا العجاج المستطار انعقا



ويقال لفرند السيف : عقيقة . فأما الأعقة فيقال : إنها أودية في الرمال . والعقيق : واد بالحجاز . قال جرير :


فهيهات هيهات العقيق ومن به     وهيهات خل بالعقيق نواصله



وقال في الأعقة :


دعا قومه لما استحل حرامه     ومن دونهم عرض الأعقة فالرمل



[ ص: 7 ]

وقد قلنا : إن الباب كله يرجع إلى أصل واحد . [ و ] من الكلام الباقي في العقيقة والحمل قولهم : أعقت الحامل تعق إعقاقا; وهي عقوق ، وذلك إذا نبتت العقيقة في بطنها على الولد ، والجمع عقق . قال :


سرا وقد أون تأوين العقق



ويقال العقاق الحمل نفسه . قال الهذلي :


أبن عقاقا ثم يرمحن ظلمه     إباء وفيه صولة وذميل



يريد : أظهرن حملا . وقال آخر :


جوانح يمزعن مزع الظبا     ء لم يتركن لبطن عقاقا



قال ابن الأعرابي . العقق : الحمل أيضا . قال عدي :


وتركت العير يدمى نحره     ونحوصا سمحجا فيها عقق



فأما قولهم : " الأبلق العقوق " فهو مثل يقولونه لما لا يقدر عليه ، قال يونس : الأبلق ذكر ، والعقوق : الحامل ، والذكر لا يكون حاملا ، فلذلك يقال : " كلفتني الأبلق العقوق " ، ويقولون أيضا : " هو أشهر من الأبلق العقوق " يعنون به الصبح; لأن فيه بياضا وسوادا . والعقوق : الشنق . وأنشد :

[ ص: 8 ]

فلو قبلوني بالعقوق أتيتهم     بألف أؤديه من المال أقرعا



يقول : لو أتيتهم بالأبلق العقوق ما قبلوني . فأما العواق من النخل فالروادف ، واحدها عاق ، وتلك فسلان تنبت في العشب الخضر ، فإذا كانت في الجذع لا تمس الأرض فهي الراكبة . والعقيقة : الماء القليل في بطن الوادي . قال كثير :


إذا خرجت من بيتها راق عينها     معوذه وأعجبتها العقائق



وقياس ذلك صحيح; لأن الغدير والماء إذا لاحا فكأن الأرض انشقت . يقول : إذا خرجت رأت حولها نبتها من معوذ النبات والغدران ما يروقها . قال الخليل : العقعق : طائر معروف أبلق بسواد وبياض أذنب يعقعق بصوته ، كأنه ينشق به حلقه . ويقولون : " هو أحمق من عقعق " ، وذلك أنه يضيع ولده .

ومن الكلام الأول " نوى العقوق " : نوى هش رخو لين الممضغة تأكله العجوز أو تلوكه ، وتعلفه الإبل . قال الخليل : وهو من كلام أهل البصرة ، لا تعرفه البادية .

قال ابن دريد العقة : الحفرة في الأرض إذا كانت عميقة . وهو من العق ، وهو الشق . ومنه اشتق العقيق : الوادي المعروف . فأما قول الفرزدق :

[ ص: 9 ]

نصبتم غداة الجفر بيضا كأنها     عقائق إذ شمس النهار استقلت



فقال الأصمعي : العقائق ما تلوحه الشمس على الحائط فتراه يلمع مثل بريق المرآة . وهذا كله تشبيه . ويجوز أن يكون أراد عقائق البرق . وهو كقول عمرو :


وبيض كالعقائق يختلينا



وأما قول ابن الأعرابي : أعق الماء يعقه إعقاقا ، فليس من الباب ، لأن هذا مقلوب من أقعه ، أي أمره . قال :


بحرك عذب الماء ما أعقه     ربك والمحروم من لم يلقه



التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث