الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                        صفحة جزء
                                        [ ص: 278 ] باب استبراء زيد بن سعنة أحوال النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا وقف عليها وأبصر علامات النبوة فيها أسلم وانقاد

                                        أخبرنا أبو نصر عمر بن عبد العزيز بن قتادة النيسابوري، أخبرنا أبو عمر بن مطر، حدثنا أبو العباس الحسن بن سفيان النسوي، وأبو محمد خشنام بن بشر بن العنبر، قالا: حدثنا أبو عبد الله محمد بن المتوكل العسقلاني، حدثنا أبو العباس الوليد بن مسلم الدمشقي، إملاء في مسجد دمشق، حدثنا محمد بن محمد بن حمزة بن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن أبيه، عن جده، قال: قال عبد الله بن سلام الحبر: إن الله عز وجل لما أراد هدى زيد بن سعنة قال زيد بن سعنة ما من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفتها في وجه محمد صلى الله عليه وسلم حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أخبرهما منه: يسبق حلمه جهله، ولا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلما، فكنت أتلطف له لأن أخالطه فأعرف حلمه من جهله، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما من الحجرات ومعه علي بن أبي طالب رضي الله عنه فأتاه رجل على راحلته كالبدوي، فقال: يا رسول الله، إن بصرى قرية بني فلان قد أسلموا ودخلوا في الإسلام وكنت حدثتهم إن أسلموا أتاهم الرزق رغدا وقد أصابتهم سنة وشدة ومحوط من الغيث فأنا أخشى يا رسول الله أن يخرجوا من الإسلام طمعا كما دخلوا فيه طمعا، فإن رأيت أن ترسل إليهم بشيء تعينهم به فعلت، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل إلى جانبه أراه عليا فقال رسول [ ص: 279 ] الله صلى الله عليه وسلم: ما بقي منه شيء - وقال الحسن بن سفيان - ما بقي معك منه شيء؟ .

                                        قال زيد بن سعنة: فدنوت منه فقلت: يا محمد، هل لك أن تبيعني تمرا معلوما من حائط بني فلان إلى أجل كذا وكذا؟ فقال: "لا يا يهودي، ولكني أبيعك تمرا معلوما إلى أجل كذا وكذا ولا أسمي حائط بني فلان" ، قلت: نعم، فبايعني فأطلقت همياني فأعطيته ثمانين مثقالا من ذهب في تمر معلوم إلى أجل كذا وكذا، فأعطاه الرجل، وقال: "احمل إليهم وأعنهم" .

                                        ولم يذكر الحسن: فأعطاه الرجل، فقال: أحمل إليهم وأعنهم.

                                        قال زيد بن سعنة: فلما كان قبل محل الأجل بيومين أو ثلاثة وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنازة ومعه أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم في نفر من أصحابه فلما صلى على الجنازة دنا من جدار ليجلس إليه فأتيته فأخذت بمجامع قميصه وردائه ونظرت إليه بوجه غليظ فقلت له: ألا تقضي يا محمد، حقي فوالله ما علمتكم بني عبد المطلب لمطل، ولقد كان لي بمماطلتكم علم قال: فنظرت إلى عمر، وإذا عيناه تدوران في وجه كالفلك المستدير، ثم رماني ببصره فقال: يا عدو الله، أتقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما أسمع، وتصنع ما أرى - زاد الحسن: اكفف يدك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

                                        ولم يذكر خشنام ذلك وقالا: فوالذي بعثه بالحق لولا ما أحاذر فوته لضربت بسيفي رأسك.

                                        ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى عمر في سكون وتؤدة وتبسم، ثم قال: "يا عمر، أنا وهو كنا أحوج إلى غير هذا؛ أن تأمرني بحسن الأداء وتأمره بحسن التباعة، اذهب به يا عمر، فأعطه حقه وزده عشرين صاعا من تمر مكان ما رعته" .

                                        قال زيد: فذهب بي عمر فأعطاني حقي وزادني عشرين صاعا من تمر، فقلت: ما هذه الزيادة يا عمر؟ فقال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أزيدك مكان ما رعتك، فقلت: أتعرفني يا عمر؟ قال: لا، فمن أنت؟ قلت: أنا زيد بن سعنة، قال: الحبر؟ قلت: الحبر، قال: فما دعاك إلى أن فعلت برسول الله صلى الله عليه وسلم ما [ ص: 280 ] فعلت وقلت له ما قلت؟ قلت: يا عمر، إنه لم يكن من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفته في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أخبرهما منه: يسبق حلمه جهله، ولا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلما، فقد خبرتهما، فأشهدك يا عمر أني قد رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا، وأشهدك أن شطر مالي - فإني أكثرهم مالا - صدقة على أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فقال لي: عمر أو على بعضهم، فرجع عمر وزيد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال زيد: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وآمن به وصدقه وتابعه وشهد معه مشاهد كثيرة.

                                        توفي في غزوة تبوك مقبلا غير مدبر رحم الله زيدا.


                                        هذا لفظ خشنام وهو أتمهما، والمعنى واحد.

                                        قلت: وفي هذا المعنى ما حدثنا أبو عبد الله الحافظ ، حدثني أبو بكر محمد بن داود بن سليمان الزاهد، أخبرنا أبو علي محمد بن محمد بن الأشعث الكوفي بمصر، حدثني أبو الحسن موسى بن إسماعيل بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي قال: حدثني أبي إسماعيل، عن أبيه، موسى بن جعفر، عن أبيه، جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي، عن أبيه، علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أن يهوديا، كان يقال له فلان حبر كان له على رسول الله صلى الله عليه وسلم دنانير فتقاضاها النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: يا يهودي، ما عندي ما أعطيك قال: فإني لا أفارقك يا محمد حتى تعطيني، فقال صلى الله عليه وسلم: "إذا أجلس معك" ، فجلس معه فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة والغداة وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهددونه ويتوعدونه ففطن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما الذي تصنعون به؟" فقالوا: يا رسول الله، [ ص: 281 ] يهودي يحبسك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "منعني ربي أن أظلم معاهدا ولا غيره" ، فلما ترجل النهار قال اليهودي أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وشطر مالي في سبيل الله، أما والله ما فعلت الذي فعلت بك إلا لأنظر إلى نعتك في التوراة.

                                        محمد بن عبد الله مولده بمكة ومهاجره بطيبة، وملكه بالشام ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق، ولا متزين بالفحش، ولا قول الخنا.

                                        أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله.

                                        وهذا ما لي فاحكم فيه بما أراك الله وكان اليهودي كثير المال.


                                        التالي السابق


                                        الخدمات العلمية