الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                            صفحة جزء
                                                            11 - باب القسامة

                                                            3099 - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، وآخرين قالوا : أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، أخبرنا الربيع بن سليمان ، أخبرنا الشافعي ، أخبرنا مالك بن أنس ، عن أبي ليلى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سهل ، عن سهل بن أبي حثمة ؛ أنه أخبره رجال من كبراء قومه : أن عبد الله بن سهل ، ومحيصة خرجا إلى خيبر من جهد أصابهم ، فأتى محيصة . فأخبر : أن عبد الله بن سهل قد قتل وطرح في فقير بئر [ ص: 255 ] أو عين . فأتى يهود . فقال : أنتم والله قتلتموه . فقالوا : والله ما قتلناه . فأقبل حتى قدم على قومه . فذكر لهم ذلك . ثم أقبل هو وأخوه حويصة ، وهو أكبر منه ، وعبد الرحمن فذهب محيصة ليتكلم ، وهو الذي كان بخيبر . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كبر كبر " يريد السن . فتكلم حويصة ، ثم تكلم محيصة . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إما أن يدوا صاحبكم وإما أن يؤذنوا بحرب " . فكتب إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك . فكتبوا إنا والله ما قتلناه . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحويصة ، ومحيصة ، وعبد الرحمن : " أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم ؟ " فقالوا : لا . وقال : " أفتحلف لكم يهود ؟ " قالوا : ليسوا بمسلمين . فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم من عنده فبعث إليهم بمائة ناقة حتى أدخلت عليهم الدار . قال سهل : لقد ركضتني منها ناقة حمراء .

                                                            وهكذا رواه عبد الله بن وهب ، ومعن بن عيسى ، وعبد الله بن يوسف ، عن مالك .

                                                            ورواه بشير بن عمر ، عن مالك ، عن ابن ليلى ، عن سهل أنه أخبره عن رجل من كبراء قومه ، ورواه ابن بكير ، عن مالك ، فقال : عن رجال من كبراء قومه ، والرواية الأولى أصح .

                                                            3100 - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار ، أخبرنا إسماعيل بن إسحاق القاضي ، أخبرنا سليمان بن حرب ، أخبرنا [ ص: 256 ] حماد بن زيد ، عن يحيى بن سعيد ، عن بشير بن يسار مولى الأنصار ، عن سهل بن أبي حثمة ، ورافع بن خديج أنهما حدثاه ، أو حدث أن عبد الله بن سهل ، ومحيصة بن مسعود آتيا خيبر في حاجة ، فتفرقا في النخل ، فقتل عبد الله بن سهل ، فجاء أخوه عبد الرحمن بن سهل ، وابناه : محيصة ، وحويصة ، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكرا أمر صاحبهما ، فبدأ عبد الرحمن ، فتكلم ، وكان أقرب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الكبر " - قال يحيى : الكلام للكبير - ، فتكلما في أمر صاحبهما ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " استحقوا صاحبكم " ، أو قال : " قتيلكم بأيمان خمسين منكم " قالوا : أمر لم نشهده قال : " فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم " قالوا : أقوام كفار ، قال : فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبله . قال سهل : فأدركت ناقة من تلك الإبل دخلت مربدهم ، فركضتني برجلها .

                                                            3101 - ورواه إسماعيل بن أبي أويس ، عن أبيه ، عن يحيى ، أن بشر بن يسار مولى بني حارثة الأنصاري أخبره ، وكان شيخا كبيرا فقيها ، وكان قد أدرك من أهل داره من بني حارثة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رجالا منهم : رافع بن خديج ، وسهل بن أبي حثمة ، وسويد بن النعمان ؛ حدثوه أن القسامة كانت فيهم في بني حارثة بن الحارث في رجل من الأنصار يدعى عبد الله بن سهل قتل بخيبر ، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم : " تحلفون خمسين يمينا ، فتستحقون قاتلكم ، أو قال : صاحبكم " ، قالوا : يا رسول الله ! ما شهدنا ، ولا حضرنا ، فزعم بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم : " فتبرئكم يهود بخمسين " . فذكره .

                                                            3102 - أخبرنا أبو الحسين بن الفضل ، أخبرنا عبد الله بن جعفر ، أخبرنا يعقوب بن سفيان ، أخبرنا ابن أبي أويس فذكره .

                                                            3102 - وبهذا المعنى في البداية بأيمان الأنصار رواه الليث بن سعد ، وبشر بن المفضل ، وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي ، وسليمان بن بلال ، وهشيم بن بشير ، عن يحيى بن سعيد إلا أنهم لم يذكروا رابعا ، وسويدا ، إلا أن في رواية الليث بن سعد قال يحيى : وحسبته قال : وعن رافع ، وفي رواية الليث ، وبشر بن [ ص: 257 ] الفضل ، وغيرهما ، عن يحيى بن سعيد في هذا الحديث حين بدأ بالأنصاريين ، فقال : " تحلفون خمسين يمينا ، وتستحقون دم قاتلكم ، أو صاحبكم " ، فجعلوا العدد المذكور في الأيمان ، وأما ابن عيينة فقد قال الشافعي : كان ابن عيينة لا يثبت أقدم النبي صلى الله عليه وسلم الأنصاريين في الأيمان ، أو يهود ، فيقال في هذا الحديث : إنه قدم الأنصاريين ، فيقول : فهو ذاك ، أو ما أشبه هذا .

                                                            3102 - وروى سعيد بن عبيد الطائي ، عن بشير بن يسار ، عن سهل ، فخالف يحيى بن سعيد ، فقال في الحديث : فقال لهم : " تأتون على من قتل " قالوا : ما لنا بينة ، قال : " فيحلفون لكم " .

                                                            3102 - قال مسلم بن الحجاج : رواية سعيد غلط ، ويحيى بن سعيد أحفظ منه ، ولذلك لم يسق مسلم في كتابه رواية سعيد بن عبيد لمخالفته يحيى في متنه ، ويحتمل أنه أراد بالبينة أيمان المدعين مع اللوث ، أو طالبهم بالبينة كما في رواية سعيد ، فلما لم يكن عندهم عرض عليهم الأيمان كما في رواية يحيى بن سعيد ، وقد روى سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة أن سليمان بن يسار حدث في هذه القصة ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : " شاهدان من غيركم حتى أدفعه إليكم برمته " فلم تكن لهم بينة ، فقال : " أتستحقون بخمسين قسامة " ثم ذكر الباقي .

                                                            3103 - وروينا في حديث يحيى بن القطان ، عن عبيد الله بن الحسن ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده في هذه القصة معنى هذا ، وذلك يؤكد رواية مسلم بن خالد الزنجي ، عن ابن جريج ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " البينة على من ادعى ، واليمين على من أنكر إلا في القسامة " .

                                                            3104 - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، أخبرنا أبو الوليد الفقيه ، أخبرنا إبراهيم بن أبي طالب ، أخبرنا بشر بن الحكم ، أخبرنا مسلم بن خالد ، فذكره .

                                                            وأما إنكار عبد الرحمن بن بجيد بن قيظي رواية سهل في البداية بأيمان المدعين [ ص: 258 ] وقول محمد بن إبراهيم التيمي : وايم الله ما كان سهل بأكثر علما منه ، ولكنه كان أسن ، فإنه غير مقبول منه لانقطاعه ، واتصال حديث سهل ، وكذلك حديث ابن شهاب لما فيه من الإرسال ، والاختلاف عليه في البداية .

                                                            3104 - وأما حديث الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس في هذه القصة أنه أخذ منهم خمسين رجلا من خيارهم ، فاستحلفهم بالله ما قتلنا ، ولا علمنا قاتلا وجعل عليهم الدية ، فهو غير مقبول من الكلبي ، ولا عن أبي صالح لكونهما معروفين برواية المنكرات ، ومخالفتهما الثقات .

                                                            3104 - والذي روي عن الشعبي ، عن عمر بن الخطاب - رضي الله - عنه أنه كتب في قتيل وجد بين جنوان ووادعة أن يقاس ما بين القريتين فإلى أيهما كان أقرب أخرج إليه منهم خمسين رجلا حتى يوافوا مكة ، فأدخلهم الحجر ، فأحلفهم ، ثم قضى عليهم بالدية ، فقالوا : ما وفت أيماننا أموالنا ، ولا أموالنا أيماننا ؟ فقال عمر : كذلك الأمر .

                                                            وفي رواية أخرى : حقنتم بأيمانكم دماءكم ، ولا يطل دم مسلم ، فهذا منقطع ، ومختلف فيه على مجالد ، عن الشعبي ، فقيل : عنه عن الحارث ، عن عمر . وقيل : عنه ، عن مسروق ، عن عمر ، وقيل غيره ، ومجالد غير محتج به ، وإنما رواه الثقات عن الشعبي ( مرسلا ) .

                                                            [ ص: 259 ] وروي عن أبي إسحاق ، عن الحارث بن الأزمع ، عن عمر ، وأبو إسحاق لم يسمعه من الحارث ، وإنما سمعه من مجالد ، عن الشعبي ، عن الحارث ، واختلف فيه على مجالد ، ومجالد ضعيف ، وروي من حديث عمر بن صبيح بإسناد مرسل ، عن عمر بن الخطاب ، وعمر بن صبيح متروك .

                                                            3105 - قال الشافعي - رحمه الله - : والمتصل أولى أن يؤخذ به من المنقطع والأنصاريون أعلم بحديث صاحبهم من غيرهم .

                                                            وروي عن عمر أنه بدأ المدعى عليهم ، ثم رد الأيمان على المدعين .

                                                            3106 - وفي حكاية ابن عبد الحكم ، عن الشافعي أنه قال : سافرت إلى خيوان ووادعة كذا وكذا سفرة أسألهم عن حكم عمر بن الخطاب في القتيل ، وأحكي لهم ما روي عنه ، فقالوا : إن هذا الشيء ما كان ببلدنا قط .

                                                            3107 - قال الشافعي : والعرب أحفظ شيء لما يكون بين أظهرهم .

                                                            3108 - قال الشيخ : وحديث أبي إسرائيل ، عن عطية ، عن أبي سعيد أن قتيلا وجد بين حيين ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقاس إلى أيهما أقرب ، فألقى ديته عليهم ، حديث ضعيف ، أبو إسرائيل الملائي ، وعطية العوفي غير محتج بهما .

                                                            3109 - وأما القتل بالقسامة فأحج شيء فيه قوله صلى الله عليه وسلم في حديث سهل " تحلفون ، وتستحقون دم صاحبكم " .

                                                            3110 - وفي رواية أبي إسحاق : " تسمون قاتلكم ، وتحلفون عليه خمسين يمينا ، فنسلمه إليكم " . [ ص: 260 ]

                                                            3111 - وروي عن عمرو بن شعيب ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قتل بالقسامة رجلا من بني نصر بن مالك .

                                                            3112 - وعن أبي المغيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم أقاد بالقسامة بالطائف ، وكلاهما منقطع . وروي عن ابن الزبير ، وعمر بن عبد العزيز ، وعبد الملك بن مروان .

                                                            3112 - ورواه خارجة بن زيد ، عن معاوية وغيره من الناس في زمن معاوية ، ثم روي عن عمر بن عبد العزيز أنه رجع عن ذلك ، وروي عن مكحول أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقض في القسامة بقود .

                                                            3113 - وروي عن القاسم بن عبد الرحمن أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال : القسامة توجب العقل ، ولا تشيط الدم ، وكلاهما منقطع .

                                                            3114 - وقال عن الحسن البصري : القتل بالقسامة جاهلية وأنكره أبو قلابة إنكارا شديدا .

                                                            التالي السابق


                                                            الخدمات العلمية