الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                3732 ص: وقد روى ابن عباس في ذلك عن النبي - عليه السلام - ما قد حدثنا محمد بن خزيمة ، قال : ثنا المعلى بن أسد ، قال : ثنا وهيب ، عن عبد الله بن طاوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : "كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج أفجر الفجور ، وكانوا يسمون المحرم صفرا ، ويقولون : إذا برأ الدبر وعفا الأثر ، وانسلخ صفر حلت العمرة لمن اعتمر فقدم رسول الله - عليه السلام - وأصحابه صبيحة رابعة وهم ملبون بالحج ، فأمرهم أن يجعلوها عمرة ، قالوا : يا رسول الله ، أي حل نحل ؟ قال : الحل كله" .

                                                فهذا ابن عباس - رضي الله عنهما - قد أخبر أن رسول الله - عليه السلام - إنما فسخ الحج إلى العمرة ، ليعلم الناس خلاف ما كانوا يكرهون في الجاهلية ، وليعلموا أن العمرة في أشهر الحج مباحة كهي في غير أشهر الحج .

                                                التالي السابق


                                                ش: أي قد روي عن عبد الله بن عباس في إباحة التمتع بالعمرة إلى الحج الذي كرهه مخالفنا فإن ابن عباس - رضي الله عنهما - أخبر في حديثه أن رسول الله - عليه السلام - فسخ الحج إلى العمرة ليعلم الناس خلاف ما كانوا يكرهونه في الجاهلية ، وفي هذا الباب خلاف قد ذكرناه .

                                                وفيه أيضا إباحة العمرة في أشهر الحج كما هي في غيرها ، وهو معنى قوله : "كهي في غير أشهر الحج" أي كالعمرة في غير أشهر الحج ، أي كما أنها مباحة في غير أشهر الحج ، وإسناد الحديث صحيح ، ورجاله رجال الصحيح ما خلا ابن خزيمة .

                                                وأخرجه البخاري : ثنا موسى بن إسماعيل ، ثنا وهيب ، نا ابن طاوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال : "كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض ، ويجعلون المحرم صفرا ، ويقولون : برأ الدبر ، وعفا الأثر ، وانسلخ [ ص: 251 ] صفر ؛ حلت العمرة لمن اعتمر ، قدم النبي - عليه السلام - وأصحابه صبيحة رابعة مهلين بالحج ، وأمرهم أن يجعلوها عمرة ، فتعاظم ذلك عندهم ، فقالوا : يا رسول الله ، أي الحل ؟ قال : الحل كله" .

                                                وأخرجه مسلم أيضا : حدثني محمد بن حاتم ، قال : ثنا بهز ، قال : ثنا وهيب ، قال : ثنا عبد الله بن طاوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال : "كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض . . " إلى آخره نحو رواية البخاري .

                                                وأخرجه أبو داود والنسائي أيضا .

                                                قوله : "كانوا" يعني الجاهلية ، وذلك من تحكماتهم المبتدعة .

                                                قوله : "أفجر الفجور" أي أعظم الذنوب ، وفي رواية مسلم : "من الفجور" وهو من فجر يفجر فجورا ، من باب نصر : ينصر ، والفاجر المنبعث في المعاصي والمحارم .

                                                قوله : "وكانوا يسمون المحرم صفرا" إخبار عن النسيء الذي كانوا يفعلونه كانوا يسمون المحرم صفرا ويحلونه وينسئون المحرم أي يؤخرون تحريمه إلى ما بعد صفر لئلا تتوالى عليهم ثلاثة أشهر محرمة فتضيق عليهم أمورهم في الإغارة وغيرها فضللهم الله بذلك ، فقال : إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا الآية .

                                                وقال القرطبي : يحلون من الأشهر الحرم ما احتاجوا إليه ، ويحرمون مكان ذلك غيره .

                                                [ ص: 252 ] ثم اعلم أن قوله : "صفرا" قد وقع في رواية الطحاوي بلا ألف وكذا وقع في صحيح مسلم ، ووقع في رواية البخاري "صفرا" بالألف قيل هو الصحيح ، وهو مصروف بلا خلاف .

                                                قلت : وذكر في "المحكم" : كان أبو عبيدة لا يصرفه ، فقيل له : لم لا تصرفه فإن النحويين قد أجمعوا على صرفه ؟ وقالوا : لا يمنع الحرف من الصرف إلا علتان ، فأخبرنا بالعلتين فيه . فقال : نعم ، العلتان : المعرفة والساعة ، قال أبو عمر المطرزي : يرى أن الأزمنة كلها ساعات ، والساعات مؤنثة .

                                                وهذا الشهر الذي بعد المحرم ، سمي صفرا لأنهم كانوا يمتارون الطعام فيه من المواضع ، قاله في "المحكم" .

                                                وقيل : سمي بذلك لإصفار مكة من أهلها إذا سافروا ، وروي عن رؤبة أنه قال : سموا الشهر صفرا ؛ لأنهم كانوا يغزون فيه القبائل ، فيتركون من لقوا صفرا من المتاع ، وذلك أن صفرا بعد المحرم فقالوا صفر الناس .

                                                فإذا جمعوه مع المحرم قالوا : صفران ، والجمع : أصفار .

                                                وقال القزاز : ربما سموا الشهر صفرا لأنهم كانوا يخلون البيوت فيه لخروجهم إلى بلاد يقال لها الصفرية .

                                                وقيل : لأنهم كانوا يخرجون إلى الغارة فتبقى بيوتهم صفرا ، وفي العلم المشهور لا في الخطاب : العرب تقول : صفر وصفران . وصفارين وصفارير وأصفار . قال : وقيل أن العرب كانوا يجعلون في كل أربع سنين شهرا يسمونه صفر الثاني ، فتكون السنة ثلاثة عشر شهرا ؛ كي يستقيم لهم الأزمان على موافقة أسمائها مع الشهور ، ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم - : "السنة اثنا عشر شهرا" وكانوا يتطيرون به ويقولون : إن الأمور فيه متعلقة والآفات واقعة .

                                                قوله "إذا برأ الدبر" : الدبر بفتح الدال المهملة والباء الموحدة بعدها راء : يعني الجرح الذي يكون في ظهر الدابة ، قال ابن سيده : والجمع دبر وأدبار [ ص: 253 ] ودبر دبرا فهو دبر ودابر والأتن دبرة ودبراء ، وإبل دبراء وقد أدبرها الحمل ، يريدون : أن الإبل كانت تدبر بالسير عليها إلى الحج ، قلت : بابه من باب علم يعلم ، قال عياض هو أن تقرح خف البعير .

                                                قوله : "وعفا الأثر" أي درس أثر الحاج في الطريق وانمحى بعد رجوعهم بوقوع الأمطار وغيرها بطول مرور الأيام ، قال الخطابي : وعفا الأثر أي أثر الدبر المذكور ، وفي رواية لأبي داود : "وعفا الوبر" يعني أثر وبر الإبل الذي حلقه رحال الحاج ، وعفا من الأضداد ويكون معناه بمعنى كثر قال : تعالى : حتى عفوا أي كثروا ، وقال الخطابي في عفا الدبر : أي طر وكثر .

                                                قوله : "صبيحة رابعة" أي ليلة رابعة .

                                                قوله : "وهم ملبون بالحج" جملة حالية ، وفيه دليل على أنهم كانوا مفردين بالحج ، ومن فوائد هذا الحديث : استحباب الدخول في مكة نهارا وكان ابن عمر يستحب دخولها نهارا لذلك ، وإليه ذهب عطاء والنخعي وابن راهويه وابن منده والشافعي في أصح الوجهين .

                                                وفي الوجه الآخر : دخولها ليلا ونهارا سواء ، لا أفضلية لأحدهما على الآخر ، وهو قول طاوس والثوري .

                                                وعن عائشة - رضي الله عنها - : دخولها ليلا أفضل من النهار ، وإليه ذهب سعيد بن جبير وعمر بن عبد العزيز .




                                                الخدمات العلمية