الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                3906 ص: فقد بين رسول الله - عليه السلام - فيما ذكرنا عنه في هذه الآثار أن ذلك الفسخ الذي كان أمر به أصحابه خاصا لهم ، ليس لأحد من الناس بعدهم ، وخلطنا بما روي عن النبي - عليه السلام - في ذلك ما رويناه عمن ذكرنا في هذا الفصل من أصحابه ؛ لأن ذلك عندنا مما لا يجوز أن يكونوا قالوه بآرائهم ، وإنما [قالوه] من جهة ما وقفوا عليه ، فهم فيما قالوا من ذلك كمن أضاف إلى النبي - عليه السلام - ، فقد ثبت بتصحيح هذه الآثار أن الخروج من الحج لا يكون بالطواف بالبيت .

                                                [ ص: 448 ]

                                                التالي السابق


                                                [ ص: 448 ] ش: أراد بهذه الآثار الأحاديث التي رواها في هذا الباب ، وأراد بقوله : "فقد بين رسول - عليه السلام - " ما بينه في حديث بلال بن الحارث - رضي الله عنه - وأراد بقوله : "وخلطنا بما روي عن النبي - عليه السلام - في ذلك ما رويناه عمن ذكرنا في هذا الفصل" أي الفصل الثاني الذي ذهب إليه أهل المقالة الثانية ما رواه عن جماعة من الصحابة - رضي الله عنهم - وهم : أبو ذر الغفاري ، وعثمان بن عفان ، وأبو سعيد الخدري ، وجابر بن عبد الله ، وبعض أجداد كثير بن عبد الله ، وعبد الله بن هلال المزني - رضي الله عنهم - .

                                                قوله : "من جهة ما وقفوا" عليه على صيغة المجهول ، أراد أنهم قالوا ذلك من جهة التوقيف من النبي - عليه السلام - ؛ لأن ذلك ليس مما يعلم بالرأي .

                                                فإن قيل : وكيف يكون ذلك وقد قال - عليه السلام - لسراقة بن مالك : "بل لأبد الأبد" حين قال : "يا رسول الله هي لنا أو للأبد" وفي رواية "لعامنا هذا أم للأبد" ؟

                                                قلت : أراد به سراقة : عمرتنا هذه في أشهر الحج لنا في هذا العام أو للأبد - أو لعامنا هذا أم للأبد - فأجاب رسول الله - عليه السلام - فقال : هي للأبد ، وذلك لأنهم لم يكونوا يعرفون العمرة إلا في غير أشهر الحج ، فلما أمرهم النبي - عليه السلام - بأن يجعلوا حجتهم عمرة وكان ذلك في أشهر الحج اشتبه على سراقة أن هذا في هذه السنة أم للأبد ، فأزال رسول الله - عليه السلام - ما شك فيه بقوله : "بل هي للأبد" ، ألا ترى كيف صرح في رواية النسائي بقوله : "يا رسول الله أرأيت عمرتنا هذه لعامنا هذا أو للأبد ؟ قال : هي للأبد" ، فثبت من هذا شيئان :

                                                الأول : أن الفسخ كان لهم خاصة .

                                                والثاني : أن إجازة العمرة في أشهر الحج كان لهم وللناس من بعدهم إلى يوم القيامة .

                                                قوله : "لا يكون بالطواف بالبيت" أراد به الطواف قبل وقوفه بعرفة ، وفي بعض النسخ : "لا يكون إلا بالطواف بالبيت" فإن صح هذا فيكون المراد من الطواف هو طواف الزيارة يوم النحر ؛ لأن المحرم لا يخرج منه إلا يوم النحر ، فافهم .




                                                الخدمات العلمية