الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                [ ص: 75 ] 3549 3550 ص: فلما اختلفوا في ذلك أردنا أن ننظر من أين جاء اختلافهم ؟

                                                فإذا إسماعيل بن إسحاق بن سهل الكوفي حدثنا - إملاء - قال : ثنا أبو نعيم ، قال : ثنا عبد السلام بن حرب ، عن خصيف ، عن سعيد بن جبير ، قال : " قيل لابن عباس : كيف اختلف الناس في إهلال النبي - عليه السلام - فقالت طائفة : أهل في مصلاه ، وقالت طائفة : حيث استوت به راحلته ، وقالت طائفة : حين علا البيداء ؟ فقال : سأخبركم [عن] ذلك ، إن رسول الله - عليه السلام - أهل في مصلاه ، فشهده قوم فأخبروا بذلك ، فلما استوت به راحلته أهل ، فشهده قوم لم يشهدوه ، وفي المرة الأولى فقالوا : أهل رسول الله - عليه السلام - الساعة ، فاخبروا بذلك ، فلما علا البيداء أهل فشهده قوم لم [يشهدوه] ، في المرتين الأولتين فقالوا : أهل رسول الله - عليه السلام - الساعة فأخبروا بذلك ، وإنما كان أهل النبي - عليه السلام - في مصلاه" . .

                                                فبين عبد الله بن عباس الوجه الذي منه جاء اختلافهم ، وأن إهلال النبي - عليه السلام - الذي ابتدأ الحج ودخل به فيه كان في مصلاه ، فبهذا نأخذ .

                                                وينبغي للرجل إذا أراد الإحرام أن يصلي ركعتين ثم يحرم في دبرهما كما فعل رسول الله - عليه السلام - وهذا قول أبي حنيفة 5 وأبي يوسف 5 ومحمد - رحمهم الله - .

                                                التالي السابق


                                                ش: أي فلما اختلف الفرق الثلاث المذكورون فيما مضى في إهلال النبي - عليه السلام - لاختلاف ألفاظ الحديث أردنا أن ننظر من أين جاء هذا الاختلاف ؟ فنظرنا في ذلك ، فوجدنا حديث ابن عباس يخبر عن وجه الاختلاف ما هو ؟ ويبين أن إهلال النبي - عليه السلام - الذي ابتدأ به الحج ، ودخل به في الحج كان في مصلاه ، فاخترنا ذلك ، وقلنا : ينبغي للرجل إذا أراد الإحرام أن يصلي ركعتين ثم يحرم عقبهما ، وهو اختيار أبي حنيفة وأصحابه ، وهذا أقرب إلى الاقتداء بفعل النبي - عليه السلام - ، وأشبه به من الإهلال حين استوت به راحلته كما ذهب إليه مالك ، ومن الإهلال حين تأخذ ناقته [ ص: 76 ] في المشي كما ذهب إليه الشافعي ، ومن الإهلال حين استوت به راحلته على البيداء كما ذهبت إليه طائفة من أهل العلم .

                                                ثم إسناد حديث ابن عباس صحيح ورجاله ثقات ، وأبو نعيم هو الفضل بن دكين شيخ البخاري ، وخصيف - بالفاء في آخره - ابن عبد الرحمن الجزري ، وثقه يحيى وأبو زرعة والعجلي ، وعن أحمد : ضعيف الحديث .

                                                وأخرجه أبو داود : ثنا محمد بن منصور ، قال : ثنا يعقوب - يعني ابن إبراهيم - قال : نا أبي ، عن ابن إسحاق ، قال : حدثني خصيف بن عبد الرحمن الجزري ، عن سعيد بن جبير ، قال : "قلت لابن عباس : يا أبا العباس ، عجبت لاختلاف أصحاب رسول الله - عليه السلام - في إهلال رسول الله - عليه السلام - حين أوجب ، فقال : إني لأعلم الناس بذلك ، إنها إنما كانت من رسول الله - عليه السلام - حجة واحدة ، فمن هنالك اختلفوا ، خرج رسول الله - عليه السلام - حاجا ، فلما صلى في مسجده بذي الحليفة ركعتيه أوجبه في مجلسه ، فأهل بالحج حين فرغ من ركعتيه ، فسمع ذلك منه أقوام فحفظته عنه ، ثم ركب ، فلما استقلت به ناقته أهل ، وأدرك ذلك منه أقوام ، وذلك أن الناس إنما كانوا يأتون أرسالا فسمعوه حين استقلت به ناقته يهل ، فقالوا : إنما أهل رسول الله - عليه السلام - حين استقلت به ناقته ، ثم مضى رسول الله - عليه السلام - ، فلما علا على شرف البيداء أهل ، وأدرك ذلك منه أقوام ، فقالوا : إنما أهل حين علا شرف البيداء ، وايم الله ، لقد أوجب في مصلاه ، وأهل حين استقلت به ناقته ، وأهل حين علا شرف البيداء . قال سعيد : فمن أخذ بقول ابن عباس أهل في مصلاه إذا فرغ من ركعتيه" .

                                                وأخرجه الحاكم في "مستدركه" : أنا أحمد بن جعفر القطيعي ، نا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدثني أبي ، حدثني يعقوب بن إبراهيم بن سعد ، ثنا أبي ، عن [ ص: 77 ] ابن إسحاق ، حدثني خصيف بن عبد الرحمن الجزري ، عن سعيد بن جبير . . . إلى آخره نحو رواية أبي داود ، ثم قال : هذا حديث صحيح على شرط مسلم مفسر في الباب ولم يخرجاه .




                                                الخدمات العلمية