الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                3920 3921 [ ص: 470 ] ص: قيل لهم : ليس هكذا لفظ هذا الحديث الذي رويتموه ، إنما لفظه أنه قال : "طوافك لحجك يجزئك لحجك وعمرتك" .

                                                فأخبر أن الطواف المفعول للحج يجزئ عن الحج والعمرة ، وأنتم لا تقولون هذا ، إنما تقولون : إن طواف القارن طواف لقرانه لا لحجته دون عمرته ولا لعمرته دون حجته ، مع أن غير ابن أبي نجيح ، من أصحاب عطاء ، قد روى هذا الحديث بعينه عن عطاء ، على معنى غير هذا المعنى .

                                                حدثنا صالح بن عبد الرحمن ، قال : ثنا سعيد بن منصور ، قال : ثنا هشيم ، قال : ثنا حجاج ، وأخبرني عبد الملك ، عن عطاء ، عن عائشة أنها قالت : " قلت : يا رسول الله ، أكل أهلك يرجع بحجة وعمرة غيري ؟ قال : انفري فإنه يكفيك . - قال حجاج في حديثه عن عطاء : قال : لجت على رسول الله - عليه السلام - - فأمرها أن تخرج إلى التنعيم ، فتهل منه بعمرة ، وبعث معها أخاها عبد الرحمن بن أبي بكر ، - رضي الله عنهم - فأهلت منه بعمرة ، ثم قدمت منه فطافت وسعت وقصرت ، وذبح عنها رسول الله - عليه السلام - ، قال عبد الملك ، عن عطاء : " : ذبح عنها بقرة" .

                                                فأخبر عبد الملك ، عن عطاء ، عن عائشة بقصتها بطولها ، وأنها إنما أحرمت بالعمرة في وقت ما كان لها أن تنفر بعد فراغها من الحجة ، وأن الذي ذكر أنه يكفيها : هو الحج من الحجة والعمرة ، لا الطواف ، فقد بطل أن يكون في حديث عطاء هذا حجة في حكم طواف القارن كيف هو ؟

                                                التالي السابق


                                                ش: هذا جواب عن الحديث المذكور ، وتقريره على وجهين :

                                                الأول : أن لفظ الحديث ليس مثل ما رووه ، وإنما هو أنه قال : "طوافك لحجك يجزئك لحجك وعمرتك" ، فأخبر رسول الله - عليه السلام - أن الطواف الذي طافته عائشة - رضي الله عنها - كانت معتمرة لما أقبل رسول الله - عليه السلام - مع أصحابه مهلين بالحج ، فلما كانت بسرف حاضت فمنعت من الطواف ، فأمرها النبي - عليه السلام - أن تغتسل وتهل بالحج ففعلت ووقفت المواقف ، فلما طهرت طافت بالكعبة والصفا والمروة ، فقال لها [ ص: 471 ] رسول الله - عليه السلام - : "طوافك يكفيك لحجك وعمرتك" يعني : طوافك المفعول للحج يجزئ عن الحج والعمرة ، وأهل المقالة الأولى لا يقولون هذا ، بل إنما يقولون : طواف القارن طواف لأجل قرانه ، لا للحج دون العمرة ، ولا للعمرة دون الحج .

                                                الوجه الثاني : أن الحديث المذكور روي على معنى غير المعنى الذي رواه عبد الله بن أبي نجيح ، أشار إليه بقوله : "مع أن غير ابن أبي نجيح من أصحاب عطاء قد روى هذا الحديث . . . " إلى آخره ، فإنه أخبر أن اعتمار عائشة كان في وقت ما كان لها أن تنفر بعد فراغها من الحجة ، وأن الذي ذكر أنه يكفيها : هو الحج من الحجة والعمرة ، وليس المراد الطواف ، فإذا كان كذلك فقد بطل أن يكون في حديث عطاء المذكور حجة في حكم طواف القارن كيف هو .

                                                ثم إنه أخرج الحديث المذكور عن صالح بن عبد الرحمن ، عن سعيد بن منصور الخراساني شيخ مسلم وأبي داود ، عن هشيم بن بشير روى له الجماعة ، عن حجاج بن أرطأة فيه لين ولكن احتج به الأربعة ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن عائشة .

                                                وروى حجاج أيضا ، عن عبد الملك بن سليمان العرزمي ، عن عطاء ، وهو معنى قوله : "وأخبرني عبد الملك عن عطاء " ، وعبد الملك روى له الجماعة ، البخاري مستشهدا .

                                                وأخرجه أحمد في "مسنده" : ثنا ابن نمير ، ثنا عبد الملك ، عن عطاء ، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : "قلت : يا رسول الله ، أترجع نساؤك بحجة وعمرة وأرجع أنا بحجة ليس معها عمرة ؟ فأقام لها رسول الله بالبطحاء وأمرها فخرجت إلى التنعيم ، وخرج معها عبد الرحمن بن أبي بكر ، فأحرمت بعمرة ، ثم أتت إلى البيت فطافت به وبين الصفا والمروة وقصرت ، فذبح عنها بقرة" .

                                                [ ص: 472 ] قوله : "لجت" بالجيم من لجج - بالكسر - يلج لجاجا ولجاجة ، فهو لجوج ولجوجه ، بالهاء للمبالغة ، ولج بالفتح لغة ، وفي رواية "ألحت" بالحاء المهملة من الإلحاح ، وفي رواية : "ألظت" من ألظ بالشيء يلظ إلظاظا إذا لازمه وثابر عليه .

                                                وجواب آخر : أن معنى قوله - عليه السلام - : "فإن طوافك يكفيك لحجك وعمرتك" أي لعمرتك المرفوضة ؛ لأنها لا طواف لها ، ويحتمل أن يريد : ثواب هذا الطواف كثواب طواف الحج والعمرة ؛ لأنها قصرت النسكين ، وإنما تركت الواحد بغير اختيارها ، على أن المشهور الثابت : أن عائشة - رضي الله عنها - كانت مفردة بالحج ، وأنه - عليه السلام - أمرها برفض العمرة ، وقولها : "وأرجع بحجة واحدة" دليل واضح على ذلك ، وقولها : "ترجع صواحبي بحج وعمرة وأرجع أنا بالحج" صريح في رفض العمرة ؛ إذ لو أدخلت الحج على العمرة لكانت هي وغيرها سواء ، ولما احتاجت إلى عمرة أخرى بعد العمرة والحج اللذين فعلتهما .

                                                وقوله - عليه السلام - عن عمرتها الأخيرة : "هذه مكان عمرتك" صريح في أنها خرجت من عمرتها الأولى ورفضتها ، إذ لا تكون الثانية مكان الأولى إلا والأولى مفقودة ، وفي بعض الروايات : "هذه قضاء من عمرتك" .

                                                فإن قيل : قال البيهقي : معنى قوله : "ودعي العمرة" أمسكي عن أفعالها وأدخلي عليها الحج .

                                                قلت : هذا خلاف حقيقة قوله : "دعي العمرة" ، بل حقيقته أنه أمرها برفض العمرة بالحج ، وقوله : "انقضي رأسك وامتشطي" يدل على ذلك ويدفع تأويل البيهقي بالإمساك عن أفعال العمرة ؛ إذ المحرم ليس له أن يفعل ذلك .

                                                فإن قيل : قال الشافعي : لا نعرف في الشرع رفض العمرة بالحيض .

                                                قلت : قال القدوري في "التجريد" : ما رفضتها بالحيض لكن تعذرت أفعالها ، وكانت ترفضها بالوقوف ، فأمرها بتعجيل الرفض .




                                                الخدمات العلمية