الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                              ذكر اختلاف أهل العلم فيما يجب على المغمى عليه يفيق بعد خروج الوقت من قضاء الصلوات.

                                                                                                                                                                              اختلف أهل العلم فيما يقضي المغمى عليه من الصلاة إذا أفاق، فقالت طائفة: لا قضاء عليه، كذلك قال عبد الله بن عمر ، وروي ذلك عن أنس بن مالك .

                                                                                                                                                                              2322 - حدثنا إسحاق ، عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن أيوب ، عن نافع ، قال: مرض ابن عمر أياما لم يعقل الصلاة ثم صح وعقل فلم [ ص: 454 ] يقض ما فاته ".

                                                                                                                                                                              قال أيوب : ومرض ابن سيرين أياما لم يعقل الصلاة فلم يقض ما فاته.

                                                                                                                                                                              2323 - حدثنا علي بن عبد العزيز ، حدثنا حجاج ، ثنا حماد، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر : "أنه أغمي عليه ثلاثة أيام فلم يعد الصلاة".

                                                                                                                                                                              2324 - حدثنا كثير بن شهاب ببغداد ، ثنا محمد بن سعيد بن سابق، ثنا عمرو - يعني ابن أبي قيس - عن عاصم ، قال: "أغمي على أنس بن مالك فلم يقض صلاته".

                                                                                                                                                                              وبه قال طاوس ، والحسن ، ومحمد بن سيرين ، والزهري ، وربيعة ، ومالك ، والشافعي ، وأبو ثور .

                                                                                                                                                                              وقالت طائفة: يقضي الصلوات كلها، روينا هذا عن عمار بن ياسر ، وعمران بن حصين ، وروينا ذلك عن طاوس ، ومجاهد ، وبه قال عطاء ، وروينا ذلك عن ميمون بن مهران ، وبه قال أحمد بن حنبل ، واحتج بحديث رواه عمران بن حصين ، وسمرة أنهما أمرا بالقضاء، وقال: نام النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فقضاها [ ص: 455 ] .

                                                                                                                                                                              2325 - حدثنا موسى بن هارون ، ثنا أبو موسى الأنصاري ، ثنا معن بن عيسى ، ثنا عبد الله بن الحارث بن فضيل الخطمي، عن أبيه، عن لؤلؤة، مولاة عمار بن ياسر : "أنه أغمي عليه ثلاثا فترك الصلاة ثم أفاق فدعا بوضوء فتوضأ، ثم ابتدأ صلوات الثلاث حتى فرغ منها".

                                                                                                                                                                              2326 - حدثنا موسى، ثنا أبو بكر الأثرم ، ثنا هارون بن عبد الله ، ثنا محمد بن الحسن وهو محمد بن الحسن بن أبي الحسن المخزومي قال: حدثني عبد الله بن الحارث الأنصاري ، عن أبيه، عن أم سعيد مولاة عمار وكانت جارية عمار: " أنه غشي عليه ثلاثا لا يصلي، ثم استفاق بعد ثلاث فقال: هل صليت؟ فقالوا: ما صليت منذ ثلاث، فقال: أعطوني وضوءا فتوضأ ثم صلى تلك الثلاث".

                                                                                                                                                                              2327 - حدثنا علي بن عبد العزيز ، ثنا أحمد بن يونس ، ثنا زهير ، ثنا سليمان التيمي ، عن أبي مجلز، أن سمرة بن جندب ، قال: " المغمى عليه ترك الصلاة - أو قال: يترك الصلاة - يصلي مع كل صلاة مثلها حتى يقضيها قال: وقال عمران بن حصين : ليصلهن جميعا".

                                                                                                                                                                              وقالت طائفة: يقضي صلاة يومه الذي أفاق فيه، روي ذلك عن ابن عمر ، ولا أحسب ذلك ثبت عنه، والرواية الأولى ثابتة عنه. [ ص: 456 ]

                                                                                                                                                                              وممن قال يقضي صلاة يومه وصلاة ليلته قتادة ، والنخعي ، والحكم ، وحماد ، وبه قال إسحاق ، وقال إسحاق : وإن أفاق قبل طلوع الشمس قضى الفجر، وإن لم يفق حتى انتصف النهار قضى الفجر فقط.

                                                                                                                                                                              وقد روينا عن الثوري في هذه المسألة قولين أحدهما: إذا أغمي عليه يوما وليلة قضى، وإذا أغمي عليه أكثر من ذلك لم يقض، الأشجعي عنه، وكذلك قال أصحاب الرأي: إذا أغمي عليه يوما وليلة ثم أفاق يقضي ما فاته، وإذا أغمي عليه أياما لم يقض شيئا، قيل من أين افترقا؟ قال: للأثر الذي جاء عن ابن عمر .

                                                                                                                                                                              2328 - حدثنا إسحاق ، عن عبد الرزاق ، عن الثوري، عن ابن أبي ليلى ، عن نافع ، أن ابن عمر : "أغمي عليه شهرا فلم يقض، وصلى صلاة يومه الذي أفاق فيه".

                                                                                                                                                                              وحكى الفريابي عن الثوري أنه كان يعجبه في المغمى عليه أن يقضي صلاة يوم وليلة، وكان الزهري ، وقتادة ، ويحيى الأنصاري يقولون: إن أفاق نهارا صلى الظهر والعصر، فإن أفاق ليلا صلى المغرب والعشاء، وروي هذا القول عن النخعي .

                                                                                                                                                                              وقال سفيان الثوري : إذا أفاق قبل أن تغيب الشمس يقضي صلاة [ ص: 457 ] الظهر والعصر فقيل له: الفجر؟ فقال: لا .

                                                                                                                                                                              وقال الشافعي في الحائض تطهر، والنصراني يسلم، والصبي يحتلم، والمغمى والمجنون يعني يفيقان قبل المغرب بركعة: عليهم الظهر والعصر، وقبل الفجر بركعة عليهم المغرب والعشاء.

                                                                                                                                                                              وكان مالك يقول غير ذلك قال: إن أفاق المغمى عليه وعليه من النهار قدر ما يصلي فيه الظهر وركعة من العصر قبل غروب الشمس صلى الظهر والعصر جميعا، وإن لم يفق إلا قدر ما يصلي فيه أحدهما صلى العصر قال: وكذلك المغرب والعشاء إن أفاق قبل طلوع الفجر وعليه قدر ما يصلي فيه المغرب وركعة من العشاء قبل طلوع الفجر صلى المغرب والعشاء جميعا.

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر : الإغماء مرض من الأمراض، والذي يلزم المريض إذا عجز عن القيام أن يصلي قاعدا ويسقط عنه فرض القيام لعجزه عن ذلك، فإن لم يستطع أن يصلي قاعدا صلى على جنب يومئ على قدر طاقته، وسقط عنه فرض القعود، فإذا أغمي عليه فلم يقدر على الصلاة بحال فلا شيء عليه، لأنهم لما قالوا: يسقط عن المريض كل عمل لا سبيل له إليه، فكذلك لا سبيل للمغمى عليه إلى الصلاة في حالة الإغماء، وإذا لم يكن عليه في تلك الحال صلاة لم يجز أن يوجب عليه ما لم يكن عليه، وإلزام القضاء إلزام فرض، والفرض لا يجب باختلاف، [ ص: 458 ] ولا حجة مع من فرض عليه قضاء ما لم يكن عليه في حال الإغماء، وليس كالنائم الذي يوجد السبيل إلى انتباهه وهو سليم الجوارح، لأن المغمى عليه واهي الجوارح مريضها لا سبيل لأهله إلى تنبيه، فإن أفاق المغمى عليه وقد بقي مقدار ما يصلي ركعة قبل غروب الشمس فعليه العصر، وإن أفاق قبل طلوع الفجر بركعة صلى العشاء، وإن أفاق قبل طلوع الشمس بركعة صلى الصبح، وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: "من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر" بيان لمن وفق لفهمه أنه غير مدرك لغيرها، إذ لو كان مدركا لغيرها لكان بيان ذلك في الحديث، وفي معنى قوله: "فقد أدرك العصر" دليل على أنه لم يدرك غيرها كما كان في قوله: "الولاء لمن أعتق" دليل على أن الولاء لا يكون إلا لمعتق.

                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية