الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                        صفحة جزء
                                        أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو بكر القاضي، قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال: حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: حدثنا عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: " كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بحنين، فلما أصاب من هوازن ما أصاب من أموالهم وسباياهم أدركه وفد هوازن بالجعرانة وقد أسلموا، فقالوا: يا رسول الله لنا أصل وعشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك، فامنن علينا من الله عليك، وقام خطيبهم زهير بن صرد، فقال: يا رسول الله، إنما في الحظائر من السبايا خالاتك، وعماتك، وحواضنك اللاتي كن يكفلنك، فلو أنا ملحنا ابن أبي شمر، أو النعمان بن المنذر، ثم أصابنا منهما مثل الذي أصابنا منك رجونا عائدتهما وعطفهما، وأنت خير المكفولين، ثم أنشد أبياتا قالها:


                                        امنن علينا رسول الله في كرم فإنك المرء نرجوه وندخر     امنن على بيضة قد عاقها قدر
                                        ممزق شملها في دهرها غير     أبقت لها الحرب هتافا على حزن
                                        على قلوبهم الغماء والغمر     إن لم تداركهم نعماء تنشرها
                                        يا أرجح الناس حلما حين يختبر     امنن على نسوة قد كنت ترضعها
                                        إذ فوك يملؤه من مخضها الدرر [ ص: 195 ]     لا تجعلنا كمن شالت نعامته
                                        واستبق منا فإنا معشر زهر     إنا لنشكر آلاء وإن كفرت
                                        وعندنا بعد هذا اليوم مدخر

                                        قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نساؤكم وأبناؤكم أحب إليكم، أم أموالكم؟ فقالوا: يا رسول الله خيرتنا بين أحسابنا وبين أموالنا، أبناؤنا ونساؤنا أحب إلينا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، وإذا أنا صليت بالناس فقوموا وقولوا: إنا نستشفع برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسلمين وبالمسلمين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أبنائنا ونسائنا، سأعينكم عند ذلك وأسأل لكم"، فلما صلى صلى الله عليه وسلم بالناس الظهر، قاموا فقالوا ما أمرهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما ما كان لي ولبني عبد المطلب، فهو لكم" فقال المهاجرون: وما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

                                        فقالت الأنصار: وما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

                                        فقال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا.

                                        فقال العباس بن مرداس السلمي: أما أنا وبنو سليم فلا.

                                        فقالت بنو سليم: بل ما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

                                        وقال عيينة بن بدر: أما أنا وبنو فزارة فلا.

                                        فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أمسك منكم بحقه فله بكل إنسان ست فرائض من أول فيء تصيبه" ، فردوا إلى الناس نساءهم وأبناءهم.

                                        ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتبعه الناس يقولون: يا رسول الله اقسم علينا [ ص: 196 ] فيأنا، حتى اضطروه إلى شجرة، فانتزعت عنه رداءه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أيها الناس ردوا علي ردائي، فوالذي نفسي في يده، لو كان لكم عدد شجر تهامة نعما لقسمته عليكم، ثم ما لقيتموني بخيلا، ولا جبانا، ولا كذابا" ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنب بعير وأخذ من سنامه وبرة فجعلها بين إصبعيه، وقال: "أيها الناس والله ما لي من فيئكم ولا هذه الوبرة إلا الخمس، والخمس مردود عليكم، فأدوا الخياط والمخيط، فإن الغلول عار ونار وشنار على أهله يوم القيامة" ، فجاء رجل من الأنصار بكبة من خيوط شعر فقال: يا رسول الله، أخذت هذه لأخيط بها بردعة بعير لي دبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما حقي منها لك" ، فقال الرجل: أما إذ بلغ الأمر هذا فلا حاجة لي بها، فرمى بها من يده".


                                        التالي السابق


                                        الخدمات العلمية