الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                        صفحة جزء
                                        [ ص: 433 ] أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان، حدثنا أحمد بن عبيد الصفار، حدثنا هشام بن علي، حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب الحجبي، حدثنا حاتم بن إسماعيل.

                                        (ح) وأنبأنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب بن يوسف، حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن زرارة، حدثنا حاتم بن إسماعيل.

                                        (ح) وأنبأنا أبو عبد الله، قال: أنبأنا أبو عمرو المقرئ، وأبو بكر الوراق، قال: أنبأنا الحسن بن سفيان، حدثنا هشام بن عمار، وأبو بكر بن أبي شيبة، قالا: حدثنا حاتم بن إسماعيل، حدثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، قال: دخلنا على جابر بن عبد الله فلما انتهينا إليه سأل عن القوم، حتى انتهى إلي، فقلت: أنا محمد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب، فأهوى بيده إلى رأسي فحل زري الأعلى ثم حل زري الأسفل، ثم وضع كفه بين ثديي وأنا يومئذ غلام شاب، فقال: مرحبا بك وأهلا، سل عما شئت، فسألته وهو أعمى، وجاء وقت الصلاة فقام في نساجة ملتحفا بها كلما وضعها على منكبيه رجع طرفاها من صغرها ورداؤه إلى جنبيه على المشجب، فصلى بنا فقلت: أخبرني عن حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بيده، فعقد تسعا، وقال: " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث تسع سنين لم يحج، ثم أذن في الناس في العاشرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاج، فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله صلى الله عليه وسلم ويعمل بمثل [ ص: 434 ] عمله، فخرج وخرجنا معه، فأتينا ذا الحليفة فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف أصنع؟، فقال: "اغتسلي واستثفري بثوب" ، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، وركب القصواء حتى استوت به ناقته على البيداء "، قال جابر: نظرت إلى مد بصري من بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم من راكب وماش، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل من شيء عملنا به، فأهل بالتوحيد وأهل الناس بهذا الذي يهلون به، فلم يرد عليهم شيئا منه، ولزم رسول الله صلى الله عليه وسلم تلبيته، قال جابر: لسنا ننوي إلا الحج، لسنا نعرف العمرة حتى أتينا البيت معه استلم الركن رمل ثلاثا ومشى أربعا، ثم قدم إلى مقام إبراهيم فقرأ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى فجعل المقام بينه وبين البيت، قال: فكان أبي يقول: ولا أعلمه ذكره إلي عن [ ص: 435 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الركعتين قل هو الله أحد، وقل يا أيها الكافرون.

                                        ثم رجع البيت فاستلم الركن، ثم خرج من الباب إلى الصفا، حتى إذا دنا من الصفا قرأ إن الصفا والمروة من شعائر الله أبدأ بما بدأ الله عز وجل به، فبدأ بالصفا فرقي عليه، حتى إذا رأى البيت فكبر وهلل، وقال: " لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله، نجز وعده، ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، ثم دعا بين ذلك فقال مثل ذلك ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة حتى إذا انصبت قدماه رمل في بطن الوادي، حتى إذا صعدتا مشى، حتى أتى المروة ففعل على المروة كما فعل على الصفا، فلما كان آخر الطواف على المروة، قال: "إني لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحلل وليجعلها عمرة" ، فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي صلى الله عليه وسلم ومن كان معه على الهدي، فقام سراقة بن مالك بن جعشم، فقال: يا رسول الله، ألعامنا هذا أم للأبد، قال: فشبك رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابعه في الأخرى، وقال: "قد دخلت العمرة في الحج هكذا مرتين، لا بل لأبد الأبد" ، وقدم علي رضي الله عنه ببدن النبي صلى الله عليه وسلم فوجد فاطمة رضي الله عنها ممن حل ولبست ثيابا صبيغا واكتحلت فأنكر ذلك علي عليها، فقالت: أبي أمرني بهذا، فكان علي يقول بالعراق: فذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم محرشا بالذي صنعته مستفتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذي ذكرت عنه وأنكرت عليها، فقال: "صدقت صدقت، ماذا قلت حين فرضت الحج" قال: قلت: اللهم إني أهل لما أهل به رسولك، قال: "فإن معي الهدي فلا تحلل" قال: فكان [ ص: 436 ] جماعة الهدي الذي جاء به علي من اليمن والذي أتى به النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة مائة، ثم حل الناس كلهم وقصروا إلا النبي صلى الله عليه وسلم ومن كان معه هدي، فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج، وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى بمنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح، ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس، وأمر بقبة من شعر فضربت له بنمرة، فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فأجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له، فركب حتى أتى بطن الوادي، فخطب الناس، فقال: "إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا وإن كل شيء من أمر الجاهلية موضوع تحت قدمي، ودماء الجاهلية موضوعة، وأول دم أضعه من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث كان مسترضعا في بني سعد، فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله، فاتقوا الله في النساء؛ فإنكم أخذتموهن أمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله عز وجل، وإن لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلنه ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به، كتاب الله، وأنتم مسئولون عني فما أنتم قائلون؟" قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: "اللهم اشهد اللهم اشهد" ثلاث مرات، ثم أذن بلال، ثم أقام، فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئا، ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى الموقف فجعل بطن [ ص: 437 ] ناقته إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلا، حتى غاب القرص، وأردف أسامة بن زيد خلفه، ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد شنق للقصواء الزمام، حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله، ويقول بيده: "أيها الناس السكينة، السكينة" كلما أتى حبلا من الحبال أرخى لها قليلا حتى تصعد، حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان وإقامتين، ولم يصل بينهما شيئا، ثم اضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى طلع الفجر، فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء، حتى أتى المشعر الحرام فرقي عليه، فحمد الله وهلله وكبره، فلم يزل واقفا، حتى أسفر جدا، ثم دفع قبل أن تطلع الشمس، وأردف الفضل بن عباس، وكان رجلا حسن الشعر أبيض وسيما، فلما دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم مر الظعن يجرين فطفق الفضل ينظر إليهن، فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على وجه الفضل فصرف الفضل وجهه من الشق الآخر، فحول رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على وجه الفضل، فصرف وجهه من الشق الآخر وصرف الفضل وجهه من الشق الآخر ينظر حتى إذا أتى محسرا حرك قليلا، ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرجك على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند المسجد، فرمى سبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها مثل حصى الخذف، رمى من بطن الوادي، ثم انصرف إلى المنحر [ ص: 438 ] فنحر ثلاثا وستين بدنة بيده، وأعطى عليا عليه السلام فنحر ما غبر، وأشركه في هديه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فطبخه فأكلا من لحمها وشربا من مرقها، ثم أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البيت، فصلى بمكة الظهر، فأتى على بني عبد المطلب يسقون من بئر زمزم، فقال: "انزعوا بني عبد المطلب فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم" فناولوه دلوا فشرب منه "
                                        لفظ حديث الحسن بن سفيان رواه مسلم في الصحيح عن أبي بكر بن أبي شيبة إلا أنه لم يذكر قوله: يحيي ويميت.

                                        التالي السابق


                                        الخدمات العلمية