الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                        صفحة جزء
                                        وحدثنا أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين بن محمد بن موسى السلمي رحمه الله حدثنا أبو الحسن محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن عبدة، حدثنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن سعيد العبدي، حدثنا الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الحراني، حدثنا مسكين بن بكير، حدثنا معان بن رفاعة السلامي، عن علي بن يزيد، عن القاسم أبي عبد الرحمن وهو القاسم مولى عبد الرحمن أبي يزيد بن معاوية، عن أبي أمامة الباهلي قال [ ص: 290 ] : " جاء ثعلبة بن حاطب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني مالا، قال: "ويحك يا ثعلبة قليل تطيق شكره خير من كثير لا تطيقه" ، قال: يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني مالا، قال: "ويحك يا ثعلبة قليل تؤدي شكره، خير من كثير لا تطيقه" ، قال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا، قال: "ويحك يا ثعلبة أما تحب أن تكون مثلي، فلو شئت أن يسير ربي هذه الجبال معي ذهبا لسارت" ، قال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا، فوالذي بعثك بالحق إن آتاني الله عز وجل مالا لأعطين كل ذي حق حقه، قال: "ويحك يا ثعلبة قليل تطيق شكره خير من كثير لا تطيقه" ، قال: يا رسول الله ادع الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم ارزقه مالا" ، قال: فاتخذ أو اشترى غنما فبورك له فيها ونمت كما ينمو الدود، حتى ضاقت به المدينة فتنحى بها، فكان يشهد الصلاة بالنهار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يشهدها بالليل، ثم نمت كما ينمو الدود، فتنحى بها، وكان لا يشهد الصلاة بالليل ولا بالنهار إلا من جمعة إلى جمعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نمت كما ينمو الدود، فضاق به مكانه فتنحى به فكان لا يشهد جمعة ولا جنازة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل يتلقى الركبان ويسألهم عن الأخبار، وفقده رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأل عنه فأخبروه أنه اشترى غنما، وأن المدينة ضاقت به، وأخبروه خبره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ويح ثعلبة بن حاطب ويح ثعلبة بن حاطب" .

                                        ثم إن الله تعالى أمر رسوله صلى الله عليه وسلم - بأبي وأمي - أن يأخذ الصدقات وأنزل الله عز وجل خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها الآية.

                                        فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 291 ] رجلين رجلا من جهينة ورجلا من بني سلمة يأخذان الصدقة، وكتب لهما أسنان الإبل والغنم كيف يأخذانها على وجوهها وأمرهما أن يمرا على ثعلبة بن حاطب ورجل من بني سليم.

                                        فخرجا فمرا بثعلبة فسألاه الصدقة، فقال: أرياني كتابكما، فنظر فيه، فقال: ما هذا إلا جزية، انطلقا حتى تفرغا، ثم مرا بي.

                                        قال: فانطلقا وسمع بهما السلمي، فاستقبلهما بخيار إبله، فقال: إنما عليك دون هذا، فقال: ما كنت أتقرب إلى الله إلا بخير مالي فقبلا.

                                        فلما فرغا مرا بثعلبة، فقال: أرياني كتابكما، فنظر فيه، فقال: ما هذا إلا جزية، انطلقا حتى أرى رأيي.

                                        فانطلقا حتى قدما المدينة، فلما رآهما رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قبل أن يكلمهما: "ويح ثعلبة بن حاطب" ، ودعا للسلمي بالبركة، وأنزل الله تعالى ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن الثلاث الآيات.

                                        قال: فسمع بعض أقارب ثعلبة، فقال: ويحك يا ثعلبة، أنزل الله فيك كذا وكذا، قال: فقدم ثعلبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله هذه صدقة مالي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله قد منعني أن أقبل منك" ، قال: فجعل يبكي ويحثي التراب على رأسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا عملك بنفسك، أمرتك فلم تطعني" ، فلم يقبل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مضى.

                                        ثم أتى أبا بكر، فقال: يا أبا بكر اقبل مني صدقتي، فقد عرفت منزلتي من الأنصار ، فقال أبو بكر: لم يقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقبلها؟ فلم يقبلها أبو بكر [ ص: 292 ] ، ثم ولي عمر بن الخطاب فأتاه، فقال: يا أبا حفص يا أمير المؤمنين اقبل مني صدقتي، قال: وتوسل إليه بالمهاجرين والأنصار وأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: لم يقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أبو بكر أقبلها أنا فأبى أن يقبلها، ثم ولي عثمان، فهلك في خلافة عثمان، وفيه نزلت الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات " قال: وذلك في الصدقة "هذا
                                        حديث مشهور فيما بين أهل التفسير وإنما يروى موصولا بأسانيد ضعاف، فإن كان امتناعه من قبول توبته وقبول صدقته محفوظا فكأنه عرف نفاقه قديما ثم زيادة نفاقه وموته عليه، ثم أنزل الله تعالى عليه من الآية حديثا، فلم يرونه من أهل الصدقة، فلم يأخذها منه، والله أعلم".

                                        التالي السابق


                                        الخدمات العلمية