الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                        صفحة جزء
                                        [ ص: 495 ] وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو النضر الفقيه، حدثنا محمد بن أيوب، أنبأنا أبو عمر الحوضي، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أبي العالية، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «ما ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى» ونسبه إلى أمه " رواه البخاري في الصحيح، عن أبي عمر، وأخرجه مسلم من حديث غندر عن شعبة ، ورواه أيضا عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم، فمن تكلم في التخيير والتفضيل ذهب إلى أنه أراد به: ليس لأحد أن يفضل نفسه على يونس، وإن كان قد أبق وذهب مغاضبا ولم يصبر على ما ظن أنه يصيبه من قومه، وما روينا في حديث الأعرج عن أبي هريرة يمنع من هذا التأويل، ويصحح قول من ذهب إلى الإمساك عن الكلام في التخيير بين الأنبياء جملة، وذكر أبو سليمان الخطابي رحمه الله أن معنى النهي عن التخيير بين الأنبياء ترك التخيير بينهم على وجه الإزراء ببعضهم، فإنه ربما أدى ذلك إلى فساد الاعتقاد فيهم والإخلال بالواجب من حقوقهم، وبغرض الإيمان بهم، وليس معناه أن يعتقد التسوية بينهم في درجاتهم، فإن الله عز وجل قد أخبر أنه قد فاضل بينهم فقال تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله، ورفع بعضهم درجات ثم تكلم على حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنا سيد ولد آدم» وحديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم في يونس بن متى، فقال [ ص: 496 ] : قد يتوهم كثير من الناس أن بين الحديثين خلافا، وذلك أنه أخبر في حديث أبي هريرة أنه سيد ولد آدم، والسيد أفضل من المسود، وقال في حديث ابن عباس: «ما ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى» والأمر في ذلك بين ووجه التوفيق بين الحديثين واضح، وذلك أن قوله «أنا سيد ولد آدم» إنما هو إخبار عما أكرمه الله تعالى به من الفضل والسؤدد، وتحدث بنعمة الله تعالى عليه، وإعلام لأمته وأهل دعوته علو مكانه عند ربه ومحله من خصوصيته ليكون إيمانهم بنبوته واعتقادهم لطاعته على حسب ذلك، وكان بيان هذا لأمته وإظهاره لهم من اللازم له والمفروض عليه، فأما قوله في يونس عليه السلام، فإنه يتأول على وجهين: أحدهما: أن يكون قوله «ما ينبغي لعبد» إنما أراد به من سواه من الناس دون نفسه، والوجه الآخر: أن يكون ذلك عاما مطلقا فيه وفي غيره من الناس، ويكون هذا القول منه على سبيل الهضم من نفسه، وإظهار التواضع لربه يقول: لا ينبغي لي أن أقول أنا خير منه؛ لأن الفضيلة التي نلتها كرامة من الله وخصوصية منه، لم أنلها من قبل نفسي، ولا بلغتها بحولي وقوتي، فليس لي أن افتخر بها، وإنما خص يونس بالذكر فيما نرى والله أعلم لما قد قص الله علينا من شأنه وما كان من قلة صبره على أذى قومه، وخرج مغاضبا له ولم يصبر كما صبر أولو العزم من الرسل. قال أبو سليمان رحمه الله: وهذا أولى الوجهين وأشبههما بمعنى [ ص: 497 ] الحديث، فقد جاء من غير هذا الطريق أنه قال صلى الله عليه وسلم: «ما ينبغي لنبي أن يقول إني خير من يونس بن متى» . فعم به الأنبياء كلهم، فدخل هو في جملتهم.

                                        التالي السابق


                                        الخدمات العلمية