الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                      صفحة جزء
                                                      [ ص: 119 ] ثامنها : أن لا يكون معدولا به عن قاعدة القياس ، لأن إثبات القياس معه إثبات الحكم مع منافيه ، وهو المعني بقول الفقهاء : الخارج عن القياس لا يقاس عليه . وهذا إطلاق مجمل وسيأتي تحقيقه . وممن ذكر هذا الشرط من المتأخرين الآمدي والرازي وأتباعهما ، لكن أطلق ابن برهان أن مذهب أصحابنا جواز القياس على ما عدل فيه عن سنن القياس ، ومثله بما زاد على أرش الموضحة تحمله العاقلة ، وما دونه هل تحمله العاقلة أم لا ؟ فعندنا : تحمله قياسا على أرشها ، وعند أبي حنيفة : لا تحمله . وهكذا حكى إلكيا عن أصحاب أبي حنيفة أنهم أطلقوا أقوالهم بأن القياس لا يجري في المعدول به عن القياس قال : وهذا فيه تفصيل عندنا فذكره وسيأتي ، والجواز هنا قضية ما سبق من جريان القياس في الحدود والكفارات والرخص . وقال في " القواطع " : يجوز القياس على أصل مخالف في نفسه الأصول بعد أن يكون ذلك ورد الشرع به ودل عليه الدليل ، والمحكي عن أصحاب أبي حنيفة أنهم منعوه ، وقد ذكره الكرخي ومنع جوازه إلا بإحدى خلال :

                                                      أحدها : أن يكون ما ورد بخلاف الأصول قد نص على علته كقوله عليه السلام { إنها من الطوافين } لأن النص على العلة كالتصريح بوجوب القياس عليه . [ ص: 120 ]

                                                      ثانيها : أن تكون الأمة مجمعة على تعليل ما ورد به الخبر وإن اختلفوا في علته .

                                                      ثالثها : أن يكون الحكم الذي ورد به الخبر موافقا للقياس على بعض الأصول وإن كان مخالفا للقياس على أصل آخر كالخبر الوارد بالتحالف في المتبايعين إذا تبايعا ، فإنه يخالف قياس الأصول ، ويقاس عليه الإجارة ، لأنه يوافق بعض الأصول ، وهو أن ما يملك على الغير فالقول قوله بيمينه في أنه أي شيء ملك عليه ، وقالوا إذا كان في الشرع أصل ينتج القياس وأصل يحظره ، وكان الأصل جواز القياس وجب القياس ، وقالوا أيضا : يجوز القياس على الأصل المخصوص إذا لم يفصل بينه وبين المخصوص ، فيكون حكمه حكم ما خص من جملة القياس كجماع الناسي وأكله .

                                                      وقال ابن شجاع البلخي من أصحابهم : إذا كان الخبر الوارد بخلاف القياس غير مقطوع به لم يجز القياس ، فاقتضى قوله هذا إذا كان الخبر مقطوعا به جاز القياس عليه . لنا أن ما ورد به الخبر أصل يجب العمل به ، فجاز أن يستنبط منه معنى ويقاس عليه دليله إذا لم يكن مخالفا للأصول ، لأنه لما ورد فيه الخبر صار أصلا في نفسه ، فالقياس عليه كالقياس على باقي الأصول . [ ص: 121 ] قال ابن السمعاني : وقد يمنع التعليل بنص كلام الشارع على الاقتصار كقوله تعالى : { خالصة لك } وقوله صلى الله عليه وسلم لأبي بردة : { ولن يجزئ عن أحد بعدك } وقوله : { أحلت لي ساعة من نهار } ، فإذا امتنع النص على القياس امتنعا . وكذلك لو فرض إجماع على هذا النحو كالاتفاق على أن المريض لا يقصر ، وإن ساوى المسافر في الفطر ، وقد قال الشافعي رحمه الله في بعض كتبه : ولا يقاس على المخصوص ، ويجوز أن يتأول فيقال : إنه أراد به في الموضع الذي لا يمكن القياس فيه . والأصل فيما يجوز القياس عليه وما لا يجوز أن ينظر في المخصوص ويمتحن ، فإن كان يتعدى قيس عليه ، كقياس الخنزير على الكلب في الولوغ ، وقياس خف الحديد على الأدم بالمسح عليه . وإن لم يوجد في المخصوص وصف يمكن القياس عليه امتنع القياس كالجنين لا يقاس عليه الشخص الملفوف في الثوب ، لأنه لا معنى في الجنين يقاس عليه الملفوف . أ هـ .

                                                      التالي السابق


                                                      الخدمات العلمية