الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                      صفحة جزء
                                                      وهو قسمان :

                                                      أحدهما : أن يدور بين النفي والإثبات وهو المنحصر .

                                                      والثاني : أن لا يكون كذلك وهو المنتشر . [ ص: 284 ]

                                                      فالأول : أن يحصر الأوصاف التي يمكن التعليل بها للمقيس عليه ثم اختبارها وإبطال ما لا يصلح منها ، بدليله : إما بكونه طردا ، أو ملغى ، أو نقض الوصف أو كسره أو خفائه واضطرابه ، فيتعين الباقي للعلية ، وهو قطعي لإفادة العلة ، ويجوز التمسك به في القطعيات والظنيات ، فالأول كقولنا : العالم إما أن يكون قديما أو حادثا ، بطل أن يكون قديما فثبت أنه حادث .

                                                      والثاني كقولنا : ولاية الإجبار إما أن لا تعلل أو تعلل بالبكارة أو الصغر أو الأبوة أو غيرها . والكل باطل سوى الثاني ، فالأول بالإجماع .

                                                      والثالث والرابع لقوله عليه السلام : { الثيب أحق بنفسها } فيتعين الثاني . قال الهندي : وحصول هذا القسم في الشرعيات عسر جدا ، أي على وجه التنقيب . ويشترط أن يكون الحكم في الأصل معللا بمناسب ، خلافا للغزالي ، ويلتحق به الطردي إذا قام الإجماع على أصل تعليله ، كما لو قام الإجماع على تعليل حكم بأحد أوصاف ثم قام الدليل على إبطالها كلها خلا واحدا ، فيتعين للتعليل وإن كان طرديا وإلا اختلف الإجماع . وهو ملخص ما اختاره إمام الحرمين . وأن يقع الاتفاق على أن العلة لا تركيب فيها ، كما في مسألة الربا ، وأما في غيرها فلا يكفي ، فإنه وإن بطل كونه علة مستقلة جاز أن يكون جزءا من أجزائها . وإذا انضم إلى غيره صار علة مستقلة ، وحينئذ فلا يكفي في إبطال سائر الأقسام الاستدلال على أنه ليس واحد منها علة مستقلة ، بل لا بد من إبطال كون المجموع علة أو جزءا من العلة ، وأن يكون حاصرا [ ص: 285 ] لجميع الأوصاف .

                                                      وطريقه أن يوافقه الخصم على انحصارها فيما ذكر أو يعجز عن إظهار زائد ، وإلا فيكفي المستدل أن يقول : بحثت عن الأوصاف فلم أجد معنى سوى ما ذكرته ، أو الأصل عدم ما سواها ، واكتفوا في حصر الأوصاف بعدم الوجدان . وهذا إذا كان أهلا للبحث ، ونازع في ذلك بعض المتأخرين ، فإن ذلك يحتاج إلى الاطلاع على جميع النصوص ، ثم إلى معرفة جميع وجوه الدلالات ، وهذا عسر جدا . وقد يكون علمه قليلا وفهمه ناقصا .

                                                      وكذلك قال الصفي الأصفهاني في نكته : من الفاسد قول المعلل في جواب طالب الحصر : بحثت وسبرت فلم أجد غير هذه الأشياء ، فإن ظفرت بعلة أخرى فأبرزها وإلا يلزمك ما يلزمني قال : وهذا فاسد ، لأن سبره لا يصلح دليلا ، لأن الدليل ما يعلم به المدلول ، ومحال أن يعلم طالب الحصر الانحصار ببحثه ونظره ، وجهله لا يوجب على خصمه أمرا ، واختار ابن برهان في الأوسط التفصيل بين المجتهد وغيره . ثم إن كان مجتهدا رجع إلى ما يغلب على ظنه ، وإن كان مناظرا ولم يساعده الخصم فهل يلزمه إبداء كيفية السبر ؟ اختلفوا فيه على قولين : أحدهما : لا ، لأنه لا يستقل درء قوله ، لاحتمال أن يكون وراءه تقسيم متوجه لم يذكره ، و ( أصحهما ) ، واختاره في المنخول ، أنه لا بد من إبداء كيفية السبر ، ليكون دليلا غير مقتصر على مجرد الدعوى ، وليس للخصم أن يقول : لم يبحث ، أو يسبر ، أو هو غريب ، ولا أن يقول : بقي وصف آخر ولا أبرزه .

                                                      تنبيه :

                                                      لم يحكوا خلافا في هذا القسم ، ورأيت في كتاب ابن فورك : إذا كانت [ ص: 286 ] في المسألة علل ففسدت إلا واحدة ، هل ذلك دليل على صحتها ؟ وجهان ، الصحيح : نعم ، إذا ثبت أنه لا بد أن يكون الحق في واحد منها ، وثبت أن ما عداها فاسد ، فعلم أن الحق فيها أو لا يجوز خروج الحق عن جماعتها . انتهى .

                                                      التالي السابق


                                                      الخدمات العلمية