الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                      صفحة جزء
                                                      الشرط السابع : العكس .

                                                      وهو انتفاء الحكم لانتفاء العلة ، والمراد به انتفاء العلم أو الظن به ، [ ص: 181 ]

                                                      إذ لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول وإلى هذا الشرط والذي قبله أشار الإمام أحمد بقوله : لا تكون العلة علة حتى يقبل الحكم بإقبالها ويدبر بإدبارها . وقد اختلف في كونه شرطا ، أما العقلية فنقل إمام الحرمين في " مختصر التقريب " الإجماع على اشتراط الاطراد والانعكاس فيها ، لكن ذهب بعض المعتزلة إلى أنه لا يشترط عكسها واختاره الإمام فخر الدين ، فقال : وأما أصحابنا فإنهم أوجبوا العكس في العلل العقلية وما أوجبوه في الشرعية والدليل على عدم وجوبه في العقلية فذكره . ونقل القاضي بعد ذلك الاتفاق على عدم اشتراط العكس في الأدلة العقلية ، وظن بعضهم أنه مناقض لنقله أولا ، توهما منه أن الأدلة هي العلل ، وليس كذلك ، فإنه لا يشترط في الدليل الانعكاس ، والحاصل أن العلل العقلية كالأدلة السمعية . وأخذ صاحب " المعتمد " من النص السابق أنه يرى أن الطرد والعكس دليل على صحة العلة فقال : وصارت الأشعرية فيما حكاه ابن اللبان إلى أنه لا يدل على صحتها وإن كان من شروطها . إذا علمت ذلك فاختلفوا في الشرعي على مذاهب :

                                                      أحدها : ونقله الماوردي عن ابن أبي هريرة : أنه لا يشترط ، بل إذا ثبت الحكم بوجودها صحت وإن لم يرتفع بعدمها ، لأن المقصود بها إثبات الحكم دون نفيه ، كما يصح المعنى إذا اطرد ولم ينعكس . واختاره الإمام الرازي وأتباعه ، ونقله الصفي الهندي عن أكثر أصحابنا . [ ص: 182 ]

                                                      والثاني : يعتبر ، كالأدلة العقلية ، ولأن عدم التأثير في ارتفاعها دليل على عدم التأثير في وجودها . وقال الماوردي في باب الربا : إنه هو الصحيح .

                                                      والثالث : أنه يعتبر في المستنبطة دون المنصوصة .

                                                      والرابع : وهو المختار عند الغزالي إن تعددت العلة فلا يطالب بالعكس ، فإنا نجوز ازدحام العلل على حكم واحد ، فلا مطمع في العكس معه . وكذا إذا استند الحكم إلى حديث عام وقياس ، فقد لا يطرد القياس ويطرد الحديث فلا يطلب العكس وإن اتحدت العلة فلا بد من عكسها ، لأن انتفاء العلة يوجب انتفاء الحكم ، بل لأن الحكم لا بد له من علة ، فإذا اتحدت العلة وانتفت فلو بقي الحكم لكان ثابتا بغير سبب . أما حيث تعددت العلة فلا يلزم انتفاء الحكم عند انتفاء بعض العلل بل عند انتفاء جميعها . وأطال في الاحتجاج لذلك . قال في " المنخول " : فكأنما نقول : شرط العلة الانعكاس إلا لمانع . وقال الهندي : لا ينبغي أن يكون فيما ذكره الغزالي خلاف ونزاع لأحد . وبه يظهر أن هذه المسألة فرع تعليل الحكم الواحد بعلل مختلفة .

                                                      وقال إمام الحرمين : ذهبت طائفة إلى اشتراط الانعكاس جملة أي سواء قلنا باتحاد العلة أو بجواز اجتماعها . وآخرون إلى أنه لا يلزم فقال : أما التزام العكس مع اتحاد العلة وانتفاء توقيف مانع فلا بد منه عندنا . والإنصاف في ذلك أن يقال : إنه لازم في الاجتهاد ولا يحسن المطالبة به في المناظرة . وقال إمام الحرمين في تدريسه " في أصول الفقه : ثم الذين اشترطوا العكس اختلفوا : فمنهم من قال : لا بد من عكس على العموم كما [ ص: 183 ] شرطنا الاطراد عموما ، ومنهم من قال - وهو الأستاذ أبو إسحاق - يكتفي بالعكس ولو في صورة واحدة . وذكر ابن الحاجب والبيضاوي أن اشتراط العكس مبني على منع التعليل للحكم بعلتين ، فمن منعه اشترط العكس في العلة لأنه حينئذ لا يكون للحكم إلا دليل واحد ، فيلزم انتفاء الحكم عند انتقاء دليله . وهذا البناء أشار إليه إمام الحرمين في " مختصر التقريب " وحوم عليه الآمدي . وقد يقال : إن من يجوز التعليل بعلتين لعلة يشترط العكس ويقول عند انتفاء واحدة بانتفاء الحكم المضاف إليها وذلك متلقى من القول بتعدد الأحكام ، ومن لا يعلل إلا بواحدة يجوز انتفاء الحكم وبقاءه لا بعلة أصلا بل عن دليل [ من ] الشرع تعبدي فلم يكن انتفاء العلة الواحدة مستلزما لانتفاء الحكم .

                                                      وقال ابن المنير : حيث قلنا بامتناع تعدد العلل وإن العكس لازم فلا نعني بلزومه ما أراده مشترطوه ، بل نقول من الزهوق حكما بعلة فقيل له : قد وجد الحكم في صورة كذا بدون هذا الوصف فله أن يقول : لا ضير لأن العلة عندي إما الوصف الذي ذكرته أو أمر صادق على الوصف صدقا للعام على الخاص ، وأيا ما كان حصل الغرض من صدق العلة على الوصف ، لأنه إن كان علة باعتبار كونه أحد وصفين يصدق على كل منهما علة فقد صدق العلة على هذا الوصف . فحصل الغرض ، وإن كان الحكم ثابتا في صورة أخرى بدون هذا الوصف .

                                                      وهذا كشف الاضطراب في هذه المسألة ، فإن الذين اشترطوا العكس فهموا أنه من لوازم وجود العلة ولكن وهموا في اعتقادهم أن الوصف مهما صدق عليه العلة لزم أن ينتفي الحكم عند انتفائه ، وليس كذلك ، لاحتمال أن يكون معنى كون الوصف علة صدق العلة عليه كما يصدق العام على الخاص ، فلا يلزم من نفي الخاص نفي العام ، لاحتمال أن يوجد العام بوجود خاص آخر ، وإن لزم من وجود الخاص وجود العام . نعم ، يلزم من نفي [ ص: 184 ] الوصف نفي الحكم إذا كان صدق العلة عليه بمعنى أنه هو العلة باعتبار كونه هذا الوصف . وهذا إنما يتحقق إذا عرف الوصف والذين لم يشترطوا العكس فهموا أن بعض الأوصاف المتفق على عليتها ينتفي مع ثبوت الحكم فاعتقدوا العكس لغوا بالكلية ، وفاتهم أن العكس ما ثبت عند انتفاء العلة وإنما ثبت عند انتفاء وصف يصدق عليه العلة صدق العام على الخاص فلم يلزم من نفي الخاص نفي العام وهو العلة . نعم ، لو انتفى ذلك العام - وهو العلة - بانتفاء جميع الخاص لزم انتفاء الحكم قطعا .

                                                      ثم قال : والعكس - على المختار عندي - عبارة عن نفي الحكم عند نفي العلة .

                                                      وعلى مختار إمام الحرمين ، النفي علة للنفي . والسبب في هذا الاختلاف أن بعض العلل يستلزم نفيه وجود علة أخرى مشعرة بالنقض ، فيظن الظان أن ذلك لارتباط بين النفي ، والنفي ليس كذلك .

                                                      التالي السابق


                                                      الخدمات العلمية