الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                      صفحة جزء
                                                      مسألة

                                                      اختلف أصحابنا - كما قاله الأستاذ أبو منصور - في العلة الموجبة للحكم إذا احتاجت إلى تقديم أسباب عليها ، ولم يكن لتلك الأسباب تأثير في الحكم كالزنى الموجب للرجم بشرط وجود الإحصان ، وتكميل جلد الزنى مائة بشرط وجود الحرية . فقال أكثرهم : يكون مجموع تلك الأوصاف علة للحكم ، لسقوطه عند عدم بعضها كما يسقط عند عدم جميعها . وقال بعضهم : العلة هي الوصف الجالب للحكم دون السبب المتقدم عليه . وعلى هذا فعلة الرجم وتكميل الحد وجود الزنى دون الحرية والإحصان ، وبه قال أكثر أهل الرأي . وكذلك قالوا في أربعة شهدوا على رجل بالزنى وشهد عليه اثنان بالحرية أو بالإحصان ، ووقع الحكم بشهادتهم ، ثم رجع الكل عن شهادتهم إن الضمان على شهود الزنى دون شهود الإحصان ، وقالوا في شاهدين شهدا على رجل أنه أعتق عبده أمس ، فقضى القاضي عليه بعتقه ، وشهد آخران بأن ذلك العبد كان قد جنى أول أمس ، وأن الولي علم بالجناية ، فألزمه القاضي الدية وجعله مختارا للفداء ، ثم رجع الشهود كلهم ، إن ضمان الدية على شهود الجناية وضمان القيمة على شهود العتق ، لأن القاضي ألزمه الدية بشهادتهم وإن لم تكن الجناية موجبة للدية أكثر بعد الحرية . واختلف أصحابنا في ذلك فقال أبو حفص بن الوكيل : إذا شهد عليه أربعة بالزنى وشاهدان بالإحصان فرجم ، ثم رجع [ ص: 218 ] واحد منهم عن الشهادة عليه سدس الدية ، وهذا يدل على أنه كان يجعل مجموع الإحصان والزنى علة للرجم ولذلك قال : إن رجع شهود الإحصان فعليهم ثلث الدية ، أو شهود الزنى فثلثاها ، وهذا إذا كان شهود الزنى غير شاهدي الإحصان فإن كانا من شهود الزنى فعليهما برجوعهما عن شهادة الإحصان ثلث الدية ، وبرجوعهما عن شهادة الزنى ثلثا الدية وإن شهد الأربعة على الإحصان والزنى فالحكم واضح . وقال بعض أصحابنا : هذا إذا كان شهود الإحصان غير شهود الزنى ، فإن كان منهم فالدية بينهم بالسوية . وقيل : إن رجعوا كلهم فعلى هؤلاء نصف الدية ، وعلى الآخرين النصف ، وعلى هذا قول من رأى أن الأوصاف علة للحكم . قلت : والراجح في المذهب أن شهود الإحصان لا يغرمون ( قال ) : وأما مذهب الشافعي في شهود العتق وشهود الجناية في العبد فإذا رجعوا كلهم فالصحيح من مذهبه أن ضمان الجناية على شهود الجناية ، وضمان القيمة على شهود العتق ، وأبطل أبو ثور العتق .

                                                      التالي السابق


                                                      الخدمات العلمية