الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                      صفحة جزء
                                                      وقد قسموا النص على العلة إلى صريح وظاهر .

                                                      [ الأول : الصريح ] : قال الآمدي : فالصريح هو الذي لا يحتاج فيه إلى نظر واستدلال ، بل يكون اللفظ موضوعا في اللغة له . وقال صاحب التنقيح : هو ما يدل عليه اللفظ سواء كان موضوعا له أو لمعنى يتضمنه . فدخل الحروف المتصلة بغيرها . وقال الإبياري : ليس المراد بالصريح المعنى الذي لا يقبل التأويل ، بل المنطوق بالتعليل فيه على حسب دلالة اللفظ الظاهر على المعنى . وقد قال القاضي إنه للتعليل إلا أن يدل على غير ذلك ، وهو بمثابة قوله : { أقم الصلاة لدلوك الشمس } قال : لا يصلح الدلوك لكونه علة ، فهو معنى عند الدلوك ، وإنما قال ذلك لأن عنده أن العلل الشرعية لا بد فيها من المناسبة ، وليس ميل الشمس من هذا القبيل . ثم الدال على الصريح أقسام :

                                                      أحدها - التصريح بلفظ الحكم : كقوله تعالى : { حكمة بالغة } [ ص: 239 ] وهذا أهمله الأصوليون ، وهو أعلاها رتبة .

                                                      وثانيها - لعلة كذا ، أو لسبب كذا .

                                                      وثالثها - من أجل ، أو لأجل : وهو دون ما قبله ، قاله ابن السمعاني ، يعني : لأن لفظ العلة تعلم به العلة من غير واسطة من قوله لأجل يفيد معرفتها بواسطة معرفة أن العلة ما لأجلها الحكم ، والدال بلا واسطة أقوى . وكذا قاله الصفي الأصفهاني في النكت . كقوله تعالى : { من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل } [ الآية ] على أن المشهور في أن " من أجل " متعلق ب " كتبنا " ، أي كتبنا على بني آدم القصاص من أجل قتل ابن آدم أخاه ، بمعنى السبب في شرعية القصاص حراسة الدنيا . وظن بعضهم أنه تعليل لقوله : { من النادمين } أي من أجل قتل أخيه . وليس كذلك ، وإنما هو علة لحكمه سبحانه على باقي الأمم بذلك الحكم . فإن قلت : فكيف يكون قتل واحد بمثابة قتل الناس كلهم ؟ قلت : تفخيما لشأن القتل ، وأنه وصل في أنواع الظلم والفساد إلى هذه الحالة ، ولا يلزم من المتشابهين التساوي من كل الوجوه لاختلافهما في مقدار الإثم واستوائهما في أصله لا وصفه . ومنه قوله عليه الصلاة والسلام : { إنما جعل الاستئذان من أجل البصر } ، وقوله : { نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي لأجل الدافة } . [ ص: 240 ]

                                                      رابعها - كي : كذا جعلها الإمام في البرهان من الصريح ، وخالفه الرازي . والأول أصوب . كقوله تعالى : { كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم } فعلل سبحانه قسمة الفيء بين الأصناف بتداوله بين الأغنياء دون الفقراء . وقوله : { لكي لا تأسوا على ما فاتكم } فأخبر أنه قدر ما يصيبهم من البلاء قبل أن تبرأ الأنفس ، أو المصيبة ، أو الأرض ، أو المجموع ; وهو الأحسن . ثم أخبر أن مصدر ذلك قدرته عليه وحكمته البالغة التي فيها أن لا يحزن عباده على ما فاتهم ولا يفرحهم بما آتاهم إذا علموا أن المصيبة مقدرة كائنة ولا بد ، كتبت قبل خلقهم ، فهون عليهم .

                                                      خامسها - إذن : كقوله عليه الصلاة والسلام : { أينقص الرطب إذا جف ؟ قالوا : نعم ، قال : فلا إذن } كذا جعله الشيخ أبو إسحاق والغزالي من الصريح ، وجعله في البرهان والمحصول من الظاهر . قال الشيخ أبو حامد الإسفراييني : ولم يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك لأنه لم يعلمه ، لأن ذلك معلوم لكل أحد بالحس ، وإنما سأل عنه ليبين أنه إنما منع من بيعه لأجل أنه ينقص ، لئلا يظن ظان أنه لغير هذه العلة . وزعم بعض الحنفية أن المقصود النهي عن البيع عند النقصان ، لأن إذا لا تتناول إلا المستقبل . ورد عليه إمام الحرمين بأن المسئول عنه إنما هو فعل [ ص: 241 ] الحال ، ولم يجر لفعل مستقبل ذكر ، وإنما يجري السؤال بصيغة المصدر . قال ابن المنير : وهذا مخالف للقواعد ، فإن ( إذا ) أبدا لا يتناول إلا المستقبل ، والفعل المسئول عنه مستقبل قطعا ، لأن الماضي والحال الحقيقي ، - أي الذي حدث ، لا يسأل عنه ، وإنما يسأل عن فعل مستقبل غير أنا لا نقول : إن المستقبل هو البيع في حالة النقصان متفاضلا ، بل المستقبل المسئول عنه حقيقة : هذا رطب وهذا تمر .

                                                      وسادسها - ذكر المفعول له : فإنه علة للفعل المعلل ، كقوله تعالى : { ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة } ونصب ذلك على المفعول له أحسن من غيره ، كما صرح به في قوله : { لتبين للناس ما نزل إليهم } ، وفي قوله : { ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون } فإتمام النعمة هي الرحمة . وقوله : { ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر } أي لأجل الذكر ، كما قال : { فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون } وقوله : { فالملقيات ذكرا عذرا أو نذرا } للإعذار والإنذار .

                                                      التالي السابق


                                                      الخدمات العلمية