الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                            صفحة جزء
                                                                            2100 - أخبرنا أبو علي حسان بن سعيد المنيعي ، أخبرنا أبو طاهر الزيادي ، أنا محمد بن الحسين القطان ، نا أحمد بن يوسف السلمي ، نا عبد الرزاق ، أنا معمر ، عن همام بن منبه ، قال: ثنا أبو هريرة ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا ما أحدكم اشترى لقحة مصراة، أو شاة مصراة، فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها إما هي، وإلا فليردها وصاعا من تمر " . [ ص: 127 ] .

                                                                            هذا حديث صحيح.

                                                                            أخرجه مسلم ، عن محمد بن رافع ، عن عبد الرزاق .

                                                                            وروى أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من اشترى مصراة، فهو بالخيار ثلاثة أيام، إن شاء ردها وصاعا من طعام لا سمراء " أراد صاعا من تمر لا حنطة، والتمر من طعام العرب.

                                                                            قال الإمام: اختلف أهل العلم في تقدير خيار التصرية بالثلاثة، فمنهم من قال: يتقدر بالثلاث، حتى لو علم قبل مضي الثلاث فله الخيار إلى تمام الثلاث، لأن الوقوف عليها قلما يمكن في أقل من ثلاثة، فإن النقصان الذي يجده المشتري في مدة الثلاث، قد يحمله على اختلاف اليد وتبدل المكان، فجعل الشرع الثلاث حدا لا يجاوز، كما في خيار الشرط، ومنهم من ذهب إلى أنه لا تأخير له بعد العلم بالتصرية، فإن أخر سقط حقه من الرد، وهو القياس، لأنه خيار عيب.

                                                                            والتقدير بالثلاث بناء للأمر على الغالب، لأن الغالب أنه لا يقف عليها قبل الثلاث، لا أن زمان الرد يتقدر بها.

                                                                            وقوله: "لا سمراء" فيه دليل على أنه لا يعطي غير التمر، فذهب بعضهم إلى أنه لا يجوز غير التمر وإن رضي به البائع، كما لا يجوز بيع المبيع قبل القبض وإن رضي به البائع.

                                                                            وذهب قوم إلى أن الواجب هو التمر، ولا يجوز إعطاء غيره إلا برضا البائع، فإن رضي بجنس آخر فكأنه استبدل عن حقه، فيجوز.

                                                                            وذهب قوم، وهو أصح أقوال الشافعي ، [ ص: 128 ] أن على كل إنسان صاعا مما يقتات، حنطة كان أو شعيرا، أو تمرا أو زبيبا، كما في زكاة الفطر، وأول هذا القائل قوله "لا سمراء" أي: لا تجب السمراء، وهي الحنطة.

                                                                            ولا فرق في ثبوت حق الرد بعيب التصرية بين النعم وسائر الحيوانات التي يحل شرب لبنها، حتى لو اشترى جارية ذات لبن، فوجدها مصراة، فله الرد، ولكن لا يجب رد شيء في مقابلة ما حلب من اللبن على أصح الوجهين؛ لأن لبن الآدمية مما لا يعتاض عنه في العادة.

                                                                            ولو اشترى أتانا لبونا أو حيوانا لا يؤكل لحمه، فوجدها مصراة، فله الرد على الأصح، لأن لبنها مقصود لتربية الولد، ولكن لا يجب رد شيء في مقابلة ما حلب من اللبن، لأن لبنها نجس لا يعتاض عنه.

                                                                            وفي حديث المصراة دليل على أنه لا يجوز بيع شاة لبون بلبن شاة، ولا بشاة لبون في ضرعها لبن، لأن الشرع جعل للبن في الضرع قسطا من الثمن، فهو كبيع مال الربا بجنسه ومعهما أو مع أحدهما شيء آخر، بخلاف ما لو باع السمسم بالسمسم يجوز، وإن أمكن استخراج الدهن من كل واحد منهما، لأن عين الدهن غير موجود فيهما، واللبن ههنا موجود في الضرع حتى لو حلب اللبون، ثم في الحال قبل اجتماع اللبن في ضرعها باعها باللبن، يجوز، والله أعلم. [ ص: 129 ] .

                                                                            التالي السابق


                                                                            الخدمات العلمية