الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                            صفحة جزء
                                                                            2229 - أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي ، أنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي ، أنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان ، نا علي بن الحسن الدارابجردي ، نا سليمان بن حرب ، نا حماد بن زيد ، عن بديل بن ميسرة ، عن علي بن أبي طلحة ، عن راشد بن سعد ، عن أبي عامر الهوزني ، عن المقدام الكندي ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، فمن ترك دينا، أو ضيعة فإلينا، ومن ترك مالا فلورثته، وأنا مولى من لا مولى له، أرث ماله، وأفك عانه، والخال وارث من لا وارث له، يرث ماله، ويفك عانه " . [ ص: 358 ] .

                                                                            قوله: "يفك عانه" يريد عانيه، فحذف الياء، والعاني: الأسير وأراد ما يلزمه بسبب الجنايات التي سبيلها أن تتحملها العاقلة، كما صرح به في هذا الحديث من رواية شعبة ، عن بديل بن ميسرة، قال: " يعقل عنه ويرث ماله".

                                                                            وهذا حجة لمن ذهب إلى توريث الأرحام وهم أولاد البنات، والجد أب الأم، وأولاد الأخت، وبنات الأخ، وبنات العم، والعم للأم، والعمة، والخال، والخالة، فاختلف الناس في توريثهم، فذهب جماعة منهم إلى أنه لا ميراث لهم، بل يصرف مال الميت الذي لم يخلف وارثا إلى بيت مال المسلمين إرثا لهم بأخوة الإسلام.

                                                                            وهو قول أبي بكر ، وزيد بن ثابت ، وابن عمر ، وبه قال الزهري ، والأوزاعي ، ومالك ، والشافعي ، وتأولوا حديث المقدام على أنه طعمة أطعمها الخال عند عدم الوارث، وسماه وارثا مجازا على معنى أنه صار المال مصروفا إليه، يدل عليه أن الخال لا يعقل ابن أخته، كذلك لا يرثه.

                                                                            وذهب كثير من أهل العلم إلى توريثهم عند عدم الورثة، وهو قول عمر ، وعلي ، وعبد الله بن مسعود ، وإليه ذهب الشعبي ، وبه قال الثوري ، وأحمد ، وأصحاب الرأي ، ثم عند عبد الله بن مسعود يقدم ذوو الأرحام على مولى العتاق، وعند علي يقدم مولى العتاق عليهم، وهذا قول هؤلاء الفقهاء، ويقدمون الرد على أصحاب الفرائض، سوى الزوجين مثل البنت، والأم، والأخت، على من ليس بذي فرض من ذوي الأرحام، ثم عند علي ما فضل من فرائضهم يرد عليهم، ويقسم على سهام فرائضهم، وهو قول أبي حنيفة ، وعند ابن مسعود لا يرد على بنت الابن مع بنت [ ص: 359 ] الصلب، بل يكون للبنت النصف، ولبنت الابن السدس، والباقي للبنت، وكذلك لا يرد على أخ لأم مع أم، بل يكون الباقي بعد فرضهما للأم، ولا على جدة إذا كان معها غيرها ممن له فريضة.

                                                                            ثم المشهور من مذهبهم في ترتيب توريثهم، تقديم من ينتمي إلى الميت، وهم أولاد البنات، ثم من ينتمي إليه الميت، وهم الأجداد والجدات، ثم تعتبر جهة أخوة الميت، ثم جهة أخوة الأقرب فالأقرب من آبائه وأمهاته، كما في توريث العصبات، فما دام للميت أحد من أولاد البنات وإن سفل، فلا شيء لأب الأم، ولا شيء لأحد من بنات الإخوة والأخوات مع وجود أحد من الأجداد والجدات وإن علا، ولا شيء لأحد من العمات والأخوال والخالات مع وجود أحد من بنات الإخوة، أو الأخوات وإن سفل.

                                                                            ثم في توريث أولاد البنات يقدم الأقرب إلى الميت ذكرا كان أو أنثى، فإن استووا في الدرجة، يقدم الأقرب إلى الوارث، فإن استووا فيه، فهم شركاء في الميراث، وإن اختلفت أبدانهم يقسم بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين.

                                                                            وفي توريث الأجداد والجدات يقدم الأقرب إلى الميت، فإن استووا في الدرجة، فلا يراعى القرب إلى الوارث، بل يجعل الثلثان في جانب الميت ذكرا كان في جانبه أو أنثى، والثلث في جانب أمه ذكرا كان أو أنثى، ثم إن كان في أحد الجانبين جماعة يجعل ذلك الثلثان أو الثلث بينهم، فإن اختلفت أبدانهم، يقسم بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين.

                                                                            وفي توريث بنات الإخوة وأولاد الأخوات يقدم الأقرب إلى الميت سواء كان من قبل الأب والأم، أو من قبل الأب، أو من قبل الأم، فإن استووا في الدرجة، يقدم الأقرب إلى الوارث من أي جهة كان، فإن استووا فيه، فحينئذ يقدم من كان من قبل الأب والأم، ثم من كان من قبل الأب، ثم من كان من قبل الأم، وكذلك في توريث [ ص: 360 ] العمات والأخوال، والخالات، وأولادهم، يقدم الأقرب إلى الميت، سواء كان من جهة الأخوال، أو من جهة العمات، والأعمام، فإن استووا في الدرجة يقدم الأقرب إلى الوارث، فإن استووا فيه، فإن انفراد قرابات الأب من الأعمام، أو العمات، أو قرابات الأم من الأخوال، والخالات، أو أولادهم، يقدم من كان لأب وأم، ثم من كان لأب، ثم من كان لأم، فإن استووا، فهم شركاء فيه، فإن اختلفت أبدانهم قسم بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين.

                                                                            وإن اجتمع قرابة الأب، مع قرابة الأم يجعل الثلثان في قرابة الأب والثلث في قرابة الأم، ثم يقدم في الثلثين أو الثلث من كان لأب وأم، ثم من كان لأب، ثم من كان لأم، هذا هو المشهور من مذاهبهم على كثرة اختلافهم فيه.

                                                                            وروي عن عمر أنه أعطى الخالة الثلث، والعمة الثلثين.

                                                                            وقال عبد الله بن مسعود : الخالة بمنزلة الأم، والعمة بمنزلة الأب، وبنت الأخ بمنزلة الأخ، وكل رحم بمنزلة رحمه التي يدلي بها إذا لم يكن وارث.

                                                                            وقال الشعبي في بنت أخ وعمة: إن المال لبنت الأخ.

                                                                            وقال مسروق في بنت أخ وخال: للخال نصيب أخته، ولبنت الأخ نصيب أبيها .

                                                                            التالي السابق


                                                                            الخدمات العلمية