الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                            صفحة جزء
                                                                            باب خيار المتبايعين ما داما في مجلس العقد.

                                                                            2047 - أخبرنا أبو الحسن الشيرزي ، أنا زاهر بن أحمد ، أنا أبو إسحاق الهاشمي ، أنا أبو مصعب ، عن مالك ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا، إلا بيع الخيار " .

                                                                            هذا حديث متفق على صحته.

                                                                            أخرجه محمد ، عن عبد الله بن يوسف .

                                                                            وأخرجه مسلم ، عن يحيى بن يحيى .

                                                                            كلاهما عن مالك .

                                                                            قال الإمام: اختلف أهل العلم في ثبوت خيار المكان للمتبايعين، فذهب أكثرهم إلى أنهما بالخيار بين فسخ البيع وإمضائه ما لم يتفرقا بالأبدان.

                                                                            يروى فيه عن ابن عباس ، وأبي هريرة ، وعبد الله بن عمرو ، وحكيم بن حزام ، وهو قول عبد الله بن عمر ، وأبي برزة الأسلمي ، وإليه ذهب شريح ، وسعيد بن المسيب ، والحسن البصري ، والشعبي ، وطاوس ، [ ص: 40 ] وعطاء بن أبي رباح ، وبه قال الزهري ، والأوزاعي ، وابن المبارك ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو عبيد ، وأبو ثور .

                                                                            وقال النخعي : لا يثبت خيار المكان، ويلزم البيع بنفس التواجب.

                                                                            وهو قول مالك ، والثوري ، وأصحاب الرأي .

                                                                            وحملوا التفرق المذكور في الحديث على التفرق في الرأي والكلام.

                                                                            والأول أصح، لأن العلم قد استقر بين العامة على أن ملك البائع لا يزول إلا بقبول من جهة المشتري، فتأويل الحديث على أمر معلوم عند العامة إخلاء الحديث عن الفائدة.

                                                                            والدليل على أن المراد منه هو التفرق بالأبدان: ما روي أن ابن عمر كان إذا ابتاع الشيء يعجبه أن يجب له، فارق صاحبه فمشى قليلا ثم رجع، فحمل التفرق على التفرق بالأبدان، وراوي الحديث أعلم بالحديث من غيره.

                                                                            وروي عن أبي الوضيء قال: كنا في غزاة، فباع صاحب لنا فرسا له من رجل، وباتا ليلة، فلما أردنا الرحيل خاصمه إلى أبي برزة ، فقال أبو برزة : لا أراكما تفرقتما، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا " .

                                                                            وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا، إلا أن يكون صفقة خيار، ولا [ ص: 41 ] يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله " ، ففيه دليل على أن المراد من التفرق تفرق الأبدان.

                                                                            وقوله: " خشية أن يستقيله " أراد: خشية أن يفسخ العقد، فيكون بمنزلة الاستقالة، لأن الإقالة لا تعلق لها بمجلس العقد، بل يجوز بعد التفرق كما يجوز قبله.

                                                                            وقوله في الحديث: "إلا بيع الخيار" معناه أن يقول أحدهما لصاحبه: اختر.

                                                                            فيقول: اخترت.

                                                                            فيكون هذا إلزاما للبيع منهما، وإن كان المجلس قائما، ويسقط خيارهما.

                                                                            وتأوله بعضهم على خيار الشرط، وقال: هذا استثناء يرجع إلى مفهوم مدة الخيار، معناه: كل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا، فإذا تفرقا لزم البيع، إلا أن يتبايعا بشرط خيار ثلاثة أيام، فيبقى خيار الشرط بعد التفرق.

                                                                            وهذا تأويل بعيد، لأن الاستثناء يرجع إلى ما ظهر من الكلام، وظاهر الكلام إثبات الخيار، والاستثناء من الإثبات نفي، ومن النفي إثبات، والدليل على ذلك ما:

                                                                            التالي السابق


                                                                            الخدمات العلمية