الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                            صفحة جزء
                                                                            2199 - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي شريح ، أنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي ، نا علي بن الجعد ، أنا زهير بن معاوية ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أمسكوا عليكم أموالكم لا تفسدوها، فإن من أعمر عمرى، فهي للذي أعمرها حياته ولعقبه " . [ ص: 293 ] .

                                                                            هذا حديث صحيح، أخرجه مسلم ، عن يحيى بن يحيى ، عن أبي خيثمة زهير .

                                                                            قال الإمام: العمرى جائزة بالاتفاق، وهي أن يقول الرجل لآخر: أعمرتك هذه الدار، أو جعلتها لك عمرك، فقبل، فهي كالهبة إذا اتصل بها القبض، ملكها المعمر، ونفذ تصرفه فيها، وإذا مات تورث منه، سواء قال: هي لعقبك من بعدك أو لورثتك أو لم يقل، وهو قول زيد بن ثابت ، وابن عمر ، وبه قال عروة بن الزبير ، وسليمان بن يسار ، ومجاهد ، وإليه ذهب الثوري ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأصحاب الرأي .

                                                                            قال حبيب بن أبي ثابت : كنا عند عبد الله بن عمر ، فجاءه أعرابي، فقال: إني أعطيت بعض بني ناقة حياته وإنها تناتجت، فقال: هي له حياته وموته، قال: فإني تصدقت بها عليه، قال: فذلك أبعد لك منها.

                                                                            وذهب جماعة إلى أنه إذا لم يقل: هي لعقبك من بعدك، فإذا مات يعود إلى الأول، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أيما رجل أعمر عمرى له ولعقبه " وهذا قول جابر ، وروي عن معمر ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن جابر ، قال: إنما العمرى التي أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول: هي لك ولعقبك، فأما إذا قال: هي لك ما عشت، فإنها ترجع إلى صاحبها.

                                                                            قال معمر : وكان الزهري يفتي به، وهذا قول مالك ، ويحكى عنه أنه قال: العمرى تمليك المنفعة دون الرقبة، فهي له مدة عمره، ولا يورث، وإن جعلها له ولعقبه، كانت المنفعة ميراثا عنه. [ ص: 294 ] .

                                                                            وأما الرقبى: فهي أن يجعلها الرجل على أن أيهما مات أولا كان للآخر منهما، فكل واحد منهما يرقب موت صاحبه، فاختلف أهل العلم في جوازها، فذهب جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أنها جائزة كالعمرى، وإذا مات المدفوع إليه يورث عنه، وشرط الرجوع باطل، وهو قول الشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وذهب قوم إلى أن الرقبى غير جائزة، وقيل: إنها عارية لا تورث، وهو قول أصحاب الرأي، والأول موافق لظاهر الحديث.

                                                                            وفيه دليل على أن من وهب شيئا، وشرط فيه شرطا فاسدا مثل أن شرط أن لا يبيعه، أو لا يهب، أو إن كانت جارية أن لا يطأها، وما أشبه ذلك، أن الهبة صحيحة والشرط باطل.

                                                                            ولو قال: جعلتها لك حياتي، فلا يورث من المدفوع إليه، وهي عارية، وقيل: باطلة.

                                                                            وفي حديث العمرى دليل على أن ألفاظ العقود على عادات الناس.

                                                                            ولو قال: أخدمتك هذه الجارية، قيل: هو هبة، وقال بعضهم: عارية، وإن قال: كسوتك هذا الثوب، فهبة، ولو قال: حملتك على هذا الفرس، فجعله بعضهم كالعمرى، وبعضهم عارية يرجع بها.

                                                                            التالي السابق


                                                                            الخدمات العلمية