الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                            صفحة جزء
                                                                            باب تحريم ثمن الخمر والميتة.

                                                                            قال الله سبحانه وتعالى: ( حرمت عليكم الميتة والدم ) الآية.

                                                                            2040 - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، نا محمد بن إسماعيل ، نا قتيبة ، نا الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن جابر بن عبد الله ، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول عام الفتح وهو بمكة: " إن الله ورسوله حرم بيع الخمر، والميتة، والخنزير، والأصنام ". فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة، فإنه يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال: " لا، هو حرام " ، ثم قال [ ص: 27 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: " قاتل الله اليهود، إن الله لما حرم شحومها جملوه ثم باعوه، فأكلوا ثمنه " .

                                                                            هذا حديث صحيح.

                                                                            قال الإمام: في تحريم بيع الخمر والميتة دليل على تحريم بيع الأعيان النجسة، وإن كان منتفعا بها في أحوال الضرورة، كالسرقين ونحوه، وفيه دليل على أن بيع جلد الميتة قبل الدباغ لا يجوز لنجاسة عينه، وأما بعد الدباغ فيجوز عند أكثر أهل العلم، لقوله عليه السلام: " أيما إهاب دبغ فقد طهر " .

                                                                            وقال مالك : لا يجوز.

                                                                            واختلفوا في عظم ما لا يؤكل لحمه، وفي عظام الميتة.

                                                                            فذهب قوم إلى نجاستها، وتحريم التصرف فيها، وهو قول الشافعي .

                                                                            وذهب قوم إلى أنها لا حياة فيها، ولا يحلها الموت، وهي طاهرة بعد زوال الزهومة عنها، وقالوا بطهارة العاج، وهو قول أصحاب الرأي.

                                                                            وقال الزهري : أدركت ناسا من علماء السلف يمتشطون بها، ويدهنون فيها، لا يرون به بأسا. [ ص: 28 ] .

                                                                            وقال ابن سيرين وإبراهيم : لا بأس بتجارة العاج.

                                                                            ومن حجتهم ما روي عن ثوبان ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: " اشتر لفاطمة سوارين من عاج " .

                                                                            ومن لم يجوز بيعه قال: ليس المراد من العاج في الحديث عظم الفيل، وإنما المراد منه الذبل، وهو عظم سلحفاة البحر، وهو طاهر كعظم الحوت.

                                                                            وتحريم بيع الخنزير ، دليل على هذا أيضا، وعلى أن ما لا ينتفع به من الحيوانات لا يجوز بيعها، مثل: الأسد، والقرد، والدب، والحية، والعقرب، والفأرة، والحدأة، والرخمة، والنسر، وحشرات الأرض، ونحوها.

                                                                            وفيه دليل على أن من أراق خمرا لنصراني، أو قتل خنزيرا له، أنه لا غرامة عليه، لأنه لا ثمن لهما في حق الدين.

                                                                            وفي تحريم بيع الأصنام دليل على تحريم بيع جميع الصور المتخذة من الخشب، والحديد، والذهب، والفضة، وغيرها.

                                                                            وعلى تحريم بيع جميع آلات اللهو والباطل ، مثل: الطنبور، والمزمار، والمعازف كلها.

                                                                            فإذا طمست الصور وغيرت آلات اللهو عن حالتها، فيجوز بيع جواهرها وأصولها، فضة كانت أو حديدا أو خشبا أو غيرها. [ ص: 29 ] .

                                                                            قال الخطابي : ويدخل في النهي كل صورة مصورة في رق أو قرطاس مما يكون المقصود منه الصورة، وكان الرق تبعا له.

                                                                            فأما الصور المصورة في الأواني والقصاع، فإنها تبع لتلك الظروف، بمنزلة الصور المصورة على جدر البيوت والسقوف، وفي الأنماط والستور، فالبيع فيها لا يفسد، وفي معناها الدور التي فيها التماثيل.

                                                                            وفي الحديث دليل على أن بيع شعر الخنزير لا يجوز، واختلفوا في جواز الانتفاع به.

                                                                            فممن منع منه: ابن سيرين ، والحكم ، وحماد ، وإليه ذهب الشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، ورخص فيه الحسن ، والأوزاعي ، ومالك ، وأصحاب الرأي .

                                                                            وجوز الشافعي استعمال نجاسة غير الكلب والخنزير ، إذا لم يستعمل في نفسه، فجوز تسجير التنور بالعذرة، وإيقاد النار بعظم الميتة، وأن تزبل الأرض بالسماد، وقال: إذا عجن بماء نجس، أطعم نواضحه وكلابه، ويلبس فرسه وأداته جلد ما سوى الكلب والخنزير، وجوز الاستصباح بالزيت النجس.

                                                                            وهو قول أكثر أهل العلم، ولا نعلم خلافا في أن من ماتت له دابة يحل له أن يطعم لحمها كلابه وبزاته.

                                                                            وقال الشافعي : ولا يصل ما انكسر من عظمه إلا بعظم ما يؤكل لحمه ذكيا، وقال: لا يدهن السفن بشحوم الخنازير.

                                                                            التالي السابق


                                                                            الخدمات العلمية