الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                            صفحة جزء
                                                                            2119 - وأخبرنا عبد الوهاب بن محمد الكسائي ، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ، نا أبو العباس الأصم ح .

                                                                            وأخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي ، ومحمد بن أحمد العارف ، قالا: أنا أبو بكر الحيري ، أنا أبو العباس الأصم ، أنا الربيع ، أنا الشافعي ، أنا سعيد بن سالم ، عن ابن أبي ذئب ، عن مخلد بن خفاف ، عن عروة ، عن عائشة ، " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى أن الخراج بالضمان " .

                                                                            هذا حديث حسن.

                                                                            والمراد بالخراج: الدخل والمنفعة، ومعنى الحديث: أن من اشترى شيئا، فاستغله بأن كان عبدا فأخذ كسبه، أو دارا فسكنها، أو [ ص: 164 ] أجرها فأخذ غلتها، أو دابة فركبها، أو أكراها، فأخذ الكراء، ثم وجد بها عيبا قديما، فله أن يردها إلى بائعها، وتكون الغلة للمشتري، لأن المبيع كان مضمونا عليه، فقوله: "الخراج بالضمان" أي: ملك الخراج بضمان الأصل، وكذلك قال الشافعي فيما يحدث في يد المشتري من نتاج الدابة، وولد الأمة، ولبن الماشية وصوفها، وثمرة الشجرة المشتراة: إن الكل يبقى للمشتري، وله رد الأصل بالعيب.

                                                                            وذهب أصحاب الرأي، إلى أن حدوث الولد، والثمرة في يد المشتري يمنع رد الأصل بالعيب، بل يرجع بالأرش، فإن هلك الحادث، فله رد الأصل بالعيب، فأما الغلة، فقالوا: لا تمنع الرد بالعيب، غير أنه إن رد قبل القبض يرد معه الغلة، وإن رد بعده، فيبقى له.

                                                                            وقال مالك : يرد الولد مع الأصل، ولا يرد الصوف، ولو اشترى جارية فوطئت في يد المشتري بالشبهة، أو وطئها المشتري، ثم وجد بها عيبا، فإن كانت ثيبا، ردها والمهر للمشتري، ولا شيء عليه إن كان هو الواطئ، وإن كانت بكرا فافتضت، فلا رد له، لأن زوال البكارة نقص حدث في يده، بل يسترد من الثمن بقدر ما نقص العيب من قيمتها، وهو قول مالك والشافعي ، وقال أصحاب الرأي: وطء الثيب يمنع الرد بالعيب، وهو قول الثوري وإسحاق .

                                                                            وقال ابن أبي ليلى : يردها ويرد معها مهر مثلها، وروى ابن أبي ذئب ، عن مخلد بن خفاف ، أنه قال: ابتعت غلاما فاستغللته، ثم ظهرت منه على عيب، فخاصمت فيه إلى عمر بن عبد العزيز ، فقضى لي برده، وقضى علي برد غلته، فأتيت عروة فأخبرته، فقال: أروح إليه العشية، فأخبره أن عائشة أخبرتني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في مثل [ ص: 165 ] هذا أن الخراج بالضمان، فراح إليه عروة ، فقضى لي أن آخذ الخراج من الذي قضى به علي له.

                                                                            وقاس أصحاب الرأي الغصب على البيع، ولم يوجبوا على الغاصب رد غلة المغصوب، لأن العين كانت مضمونة عليه، والخراج بمقابلته، وأوجب الشافعي على الغاصب ضمان منفعة المغصوب، لأن يده يد عدوان بخلاف يد المشتري على المبيع.

                                                                            ومن اشترى عبدا، أو غيره، فحدث به عيب عنده، واطلع على عيب قديم به، عرض الرأي على البائع، فإن رضي به مع العيب الحادث، فللمشتري رده، فإن أمسكه، فلا أرش له، وإن لم يرض البائع بأخذه مع العيب الحادث، غرم للمشتري أرش العيب القديم.

                                                                            وقال مالك : المشتري بالخيار إن شاء طالب البائع بأرش العيب القديم، وإن شاء غرم أرش العيب الحادث ورده.

                                                                            التالي السابق


                                                                            الخدمات العلمية