الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                            صفحة جزء
                                                                            باب قضاء القاضي لا ينفذ إلا ظاهرا.

                                                                            2506 - أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الكسائي ، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ، نا أبو العباس الأصم .

                                                                            ح، وأنا أحمد بن عبد الله الصالحي ، ومحمد بن أحمد العارف ، قالا: أنا أبو بكر الحيري ، نا أبو العباس الأصم ، أنا الربيع ، أنا الشافعي ، أنا مالك بن أنس ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة ، عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال: " إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه، فلا يأخذنه، فإنما أقطع له قطعة من النار " .

                                                                            هذا حديث متفق على صحته، أخرجه محمد ، عن عبد الله بن مسلمة ، [ ص: 111 ] عن مالك ، وأخرجه مسلم ، عن يحيى بن يحيى ، عن أبي معاوية ، عن هشام بن عروة .

                                                                            قوله: "ألحن بحجته" أي: أفطن لها، واللحن مفتوحة الحاء: الفطنة، يقال لحنت للشيء بكسر الحاء ألحن له لحنا، ورجل لحن، أي: فطن.

                                                                            واللحن بسكون الحاء: الخطأ، يقال: لحن الرجل في كلامه بفتح الحاء يلحن لحنا، واللحن: النحو واللغة، ومنه قول عمر رضي الله عنه: " تعلموا اللحن كما تعلمون القرآن " .

                                                                            وقال أبو عبيد في قول عمر : تعلموا اللحن، أي: الخطأ في الكلام.

                                                                            وقوله سبحانه وتعالى: ( ولتعرفنهم في لحن القول ) أي: في قصده ونحوه، ويقال: لحن فلان: إذا أخذ في ناحية عن الصواب.

                                                                            وفيه دليل على أن حكم الحاكم لا ينفذ إلا ظاهرا، وأنه لا يحل حراما، ولا يحرم حلالا، وإذا أخطأ في حكمه، والمحكوم له عالم بحقيقة الحال، فلا يحل له في الباطن أخذ ما حكم له به القاضي في الظاهر، وهو قول أكثر أهل العلم، وذهب أبو حنيفة إلى أنه ينفذ قضاؤه ظاهرا أو باطنا في العقود والفسوخ حتى لو شهد شاهدان زورا أن [ ص: 112 ] فلانا طلق امرأته، فقضى به القاضي، وقعت الفرقة بينهما بقضاء القاضي، ويجوز لكل واحد من الشاهدين أن ينكحها.

                                                                            واتفق أهل العلم على أن قضاءه في الدماء والأملاك المطلقة لا ينفذ ظاهرا، أما في المجتهدات مثل أن قضى حنيفي بشفعة الجار لرجل لا يعتقد ثبوتها، أو قضى لرجل يعتقد وقوع الطلاق بتعليق سبق النكاح أنه حلال له، أو مات رجل عن جد وأخ، فقضى القاضي بالميراث للجد على مذهب الصديق، والمحكوم له يرى رأي زيد في أنه لا يستبد بالمال دون الأخ، أو مات رجل عن خال لا يرى توريث ذوي الأرحام، فقضى له القاضي بالمال على مذهب من يورثه، فاختلف فيه أصحاب الشافعي ، فذهب أكثرهم إلى أنه ينفذ ظاهرا وباطنا، لأنه أمر مجتهد فيه لا يتصور ظهور الخطإ فيه يقينا في الدنيا، وحكم الحاكم بالاجتهاد نافذ.

                                                                            وفي الحديث دليل على أن كل مجتهد ليس بمصيب، إنما الإصابة مع واحد، وإثم الخطإ عن الآخر موضوع، لكونه معذورا فيه، وفيه دليل على أن بينة المدعي مسموعة بعد يمين المدعى عليه.

                                                                            التالي السابق


                                                                            الخدمات العلمية