الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                            صفحة جزء
                                                                            باب فرض الجهاد.

                                                                            قال الله سبحانه وتعالى: ( انفروا خفافا وثقالا ) ، قيل: معناه: موسرين ومعسرين.

                                                                            وقيل: خفت عليكم الحركة أو ثقلت، وقال قتادة : أراد نشاطا وغير نشاط.

                                                                            يعني جمع نشيط، وقال جل ذكره: ( إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ) ، وقال الله تعالى: ( فانفروا ثبات ) ، قال ابن عباس : سرايا متفرقين، وواحد الثبات: ثبة.

                                                                            2636 - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله [ ص: 371 ] النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، نا محمد بن إسماعيل ، نا عمرو بن علي ، نا يحيى ، نا سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد ، عن طاوس ، عن ابن عباس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال يوم الفتح: " لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا " .

                                                                            هذا حديث متفق على صحته، أخرجه مسلم ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وأبي كريب ، عن وكيع ، عن سفيان .

                                                                            وقد روي عن معاوية ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال: " لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها " ، وهذا حديث في إسناده مقال. [ ص: 372 ] .

                                                                            ووجه الجمع بين الحديثين أن الهجرة كانت مندوبة في أول الإسلام غير مفروضة، وذلك قول الله سبحانه وتعالى: ( ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة ) ، فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، أمروا بالهجرة والانتقال إلى حضرته ليكونوا معه، ويتظاهروا إن حزبهم أمر، وليتعلموا منه أمر دينهم، وقطع الله الولاية بين من هاجر من المسلمين، وبين من لم يهاجر، كما قال جل ذكره: ( والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا ) [ ص: 373 ] ، فلما فتحت مكة ، عاد أمر الهجرة منها إلى الندب والاستحباب، فهذا معنى قوله: "لا هجرة بعد الفتح" ، قال الخطابي : فهما هجرتان، فالمنقطعة هي الفرض، والباقية هي الندب.

                                                                            قال الإمام: الأولى أن يجمع بينهما من وجه آخر، وهو أن قوله: "لا هجرة بعد الفتح" أراد به: من مكة إلى المدينة .

                                                                            وقوله: "لا تنقطع الهجرة" أراد بها هجرة من أسلم في دار الكفر عليه أن يفارق تلك الدار، ويخرج من بينهم إلى دار الإسلام، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : " أنا بريء من كل مسلم مقيم بين أظهر المشركين لا تتراءى ناراهما " . [ ص: 374 ] .

                                                                            وعن سمرة بن جندب ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من جامع المشرك، وسكن معه، فإنه مثله " .

                                                                            وقوله: " إذا استنفرتم فانفروا " فيه إيجاب النفير، والخروج إلى الغزو إذا وقعت الدعوة.

                                                                            واعلم أن الجهاد فرض في الجملة، غير أنه ينقسم إلى فرض العين، وإلى فرض الكفاية، ففرض العين: أن يدخل العدو دار قوم من المؤمنين، أو ينزل بباب بلدهم، فيجب على كل مكلف من الرجال ممن لا عذر له من أهل تلك البلدة الخروج إلى غزوهم، حرا كان أو عبدا، فقيرا كان أو غنيا، دفعا عن أنفسهم، وعن جيرانهم، وهو في حق من بعد عنهم من المسلمين فرض على الكفاية، فإن لم تقع الكفاية بما نزل بهم يجب على من بعد منهم من المسلمين عونهم، وإن وقعت الكفاية بالنازلين بهم، فلا فرض على الأبعدين إلا على طريق الاختيار والاستحباب، ولا يدخل في هذا القسم العبيد، والفقراء، ومن هذا القبيل أن يكون الكفار قارين في بلادهم، ولا يقصدون المسلمين، ولا بلدا من بلادهم، فعلى الإمام أن لا يخلي سنة من غزوة يغزوها بنفسه، أو بسراياه حتى لا يكون الجهاد معطلا، والاختيار للمطيق للجهاد مع [ ص: 375 ] وقوع الكفاية بغيره أن لا يقعد عن الجهاد، قال الله سبحانه وتعالى: ( لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة ) ، وروي عن ابن عباس أن قوله سبحانه وتعالى: ( انفروا خفافا وثقالا ) نسخه قوله عز وجل: ( وما كان المؤمنون لينفروا كافة ) .

                                                                            وروي عن أبي هريرة ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من مات ولم يغز، ولم يحدث به نفسه، مات على شعبة من نفاق " .

                                                                            قال عبد الله بن المبارك : نرى أن ذلك كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم .

                                                                            التالي السابق


                                                                            الخدمات العلمية