الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                            صفحة جزء
                                                                            باب اجتهاد الحاكم .

                                                                            2509 - أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الكسائي ، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ، نا أبو العباس الأصم .

                                                                            ح، وأنا أحمد بن عبد الله الصالحي ، ومحمد بن أحمد العارف ، قالا: أنا أبو بكر الحيري ، نا أبو العباس الأصم ، أنا الربيع ، أنا الشافعي ، أنا عبد العزيز ، عن يزيد بن عبد الله بن الهاد ، عن محمد بن إبراهيم التيمي ، عن بسر بن سعيد ، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص ، عن عمرو بن العاص ، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول: " إذا حكم الحاكم ، فاجتهد، فأصاب، فله أجران، وإذا حكم، فاجتهد، فأخطأ، فله أجر " .

                                                                            قال يزيد بن الهاد : فحدثت بهذا الحديث أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، فقال: هكذا حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة .

                                                                            هذا حديث متفق على صحته، أخرجه محمد ، عن عبد الله بن يزيد ، عن [ ص: 116 ] حيوة ، عن يزيد بن عبد الله بن الهاد ، وأخرجه مسلم ، عن يحيى بن يحيى ، عن عبد العزيز بن محمد ، عن يزيد .

                                                                            وروي عن الحسن ، أنه قرأ: ( وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث ) إلى قوله عز وجل: ( ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما ) ، قال: فحمد سليمان ، ولم يلم داود ، ولولا ما ذكر الله من أمر هذين، لرأيت أن القضاة هلكوا، فإنه أثنى على هذا بعلمه، وعذر هذا باجتهاده.

                                                                            قال الإمام: الاجتهاد هو رد القضية إلى معنى الكتاب والسنة من طريق القياس، فعلى الحاكم أن يحكم بما في كتاب الله سبحانه وتعالى، فإن لم تكن الحادثة التي يحتاج إلى الحكم فيها في كتاب الله، فيحكم بالسنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن لم يجدها في السنة، فحينئذ يجتهد، والدليل عليه ما روي عن معاذ ، أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال له لما أراد أن يبعثه إلى اليمن : " كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ " قال: أقضي بكتاب الله، قال: " فإن لم تجد في كتاب الله؟ " قال: فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال: " فإن لم تجد في سنة رسول الله؟" قال: أجتهد رأيي، قال: فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على صدره، وقال: "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم لما يرضي رسول الله " . [ ص: 117 ] .

                                                                            قوله: "أجتهد رأيي" لم يرد به الرأي الذي يسنح له من قبل نفسه، أو يخطر بباله على غير أصل من كتاب أو سنة، بل أراد به رد القضية إلى معنى الكتاب والسنة من طريق القياس.

                                                                            وقوله في الحديث: "وإذا اجتهد فأخطأ، فله أجر" لم يرد به أنه يؤجر على الخطإ، بل يؤجر في اجتهاده طلب الحق؛ لأن اجتهاده عبادة ، والإثم في الخطإ عنه موضوع إذا لم يأل جهده، وهذا فيمن كان جامعا لآلة الاجتهاد، فأما من لم يكن محلا للاجتهاد، فهو متكلف لا يعذر بالخطأ في الحكم ، بل يخاف عليه أعظم الوزر، روي عن بريدة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال: " القضاة ثلاثة: واحد في الجنة، واثنان [ ص: 118 ] في النار، فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به، ورجل عرف الحق فجار في الحكم ، فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار " .

                                                                            وفي هذا الحديث دليل على أن ليس كل مجتهد مصيبا، إذ لو كان كل مجتهد مصيبا، لم يكن لهذا التقسيم معنى، وهو معنى قول الشافعي ، ومذهبه أنه إذا اجتهد مجتهدان في حادثة فاختلف اجتهادهما، أن الحق منهما واحد لا بعينه، وذهب أصحاب الرأي إلى أن كل مجتهد مصيب، لأنه لم يكلف عند اشتباه الحادثة إلا الاجتهاد، وليس كذلك، بل هو مأمور بالاجتهاد لإصابة الحق، فإن أصابه أجر، وإن لم يصب عذر، كمن اشتبهت عليه القبلة، كلف أن يجتهد ليصيب جهتها، فإن لم يصبها يقينا عذر.

                                                                            والحديث يدل على أنه لا يجوز للحاكم تقليد الغير، وإن كان أعلم منه وأفقه حتى يجتهد، ويستحب له مشاورة أهل العلم في الحوادث، والبحث عن الدلائل، ثم يحكم بما لاح له بالدليل، قال الله سبحانه وتعالى لرسوله: ( وشاورهم في الأمر ) ، وروي عن أبي هريرة ، قال: " ما رأيت أحدا أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم " . [ ص: 119 ] .

                                                                            قال الحسن : إن كان صلى الله عليه وسلم عن مشاورتهم لغنيا، ولكنه أراد أن يستن بذلك الحكام بعده.

                                                                            قال محمد بن إسماعيل : والمشاورة قبل العزم والتبين، لقوله عز وجل: ( فإذا عزمت فتوكل على الله ) ، فإذا عزم الرسول لم يكن لبشر أن يتقدم على الله ورسوله.

                                                                            وشاور النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد في المقام والخروج، فرأوا له الخروج، فلما لبس لأمته وعزم، قالوا: أقم، فلم يمل إليهم بعد العزم، وقال: " لا ينبغي لنبي يلبس لأمته، فيضعها حتى يحكم الله " .

                                                                            وكانت الأئمة يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها، فإذا وضح الكتاب، أو السنة، لم يتعدوه إلى غيره اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم . [ ص: 120 ] .

                                                                            قال الزهري : وكان مجلس عمر مغتصا من القراء، شبابا كانوا أو كهولا، فربما استشارهم، فيقول: " لا يمنعن أحدكم أن يشير برأيه فإن العلم ليس على قدم السن، ولا على حداثته، ولكن الله يضعه حيث يشاء " .

                                                                            وقال مزاحم بن زفر : قال لنا عمر بن عبد العزيز : " خمس إذا أخطأ القاضي منهن خصلة، كانت فيه وصمة: أن يكون فهما، حليما، عفيفا، صليبا، عالما، سؤولا عن العلم ".

                                                                            وفي الحديث دليل على أنه لا يجوز لغير المجتهد أن يتقلد القضاء، ولا يجوز للإمام توليته.

                                                                            والمجتهد من جمع خمسة أنواع من العلم: علم كتاب الله عز وجل، وعلم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأقاويل علماء السلف من إجماعهم واختلافهم، وعلم اللغة، وعلم القياس، وهو طريق استنباط الحكم عن الكتاب، والسنة إذا لم يجده صريحا في نص كتاب، أو سنة، أو إجماع. [ ص: 121 ] .

                                                                            فيجب أن يعلم من علم الكتاب الناسخ، والمنسوخ، والمجمل، والمفسر، والخاص، والعام، والمحكم، والمتشابه، والكراهية، والتحريم، والإباحة، والندب.

                                                                            ويعرف من السنة هذه الأشياء، ويعرف منها الصحيح، والضعيف، والمسند، والمرسل، ويعرف ترتيب السنة على الكتاب، وترتيب الكتاب على السنة حتى إذا وجد حديثا لا يوافق ظاهره الكتاب يهتدي إلى وجه محمله، فإن السنة بيان الكتاب، ولا تخالفه، وإنما يجب معرفة ما ورد منها في أحكام الشرع دون ما عداها من القصص والأخبار والمواعظ.

                                                                            وكذلك يجب أن يعرف من علم اللغة ما أتى في كتاب أو سنة في أمور الأحكام دون الإحاطة بجميع لغات العرب، وينبغي أن يتخرج فيها بحيث يقف على مرامز كلام العرب فيما يدل على المراد من اختلاف المحال، والأحوال؛ لأن الخطاب ورد بلسان العرب، فمن لم يعرفه لا يقف على مراد الشرع.

                                                                            ويعرف أقاويل الصحابة والتابعين في الأحكام، ومعظم فتاوى فقهاء الأمة حتى يقع حكمه مخالفا لأقوالهم، فيكون فيه خرق الإجماع، وإذا عرف من كل نوع من هذه الأنواع معظمه، فهو مجتهد، ولا يشترط معرفة جميعها بحيث لا يشذ عنه شيء منها، وإذا لم يعرف نوعا من هذه [ ص: 122 ] الأنواع، فسبيله التقليد، وإن كان متبحرا في مذهب واحد من آحاد أئمة السلف، ولا يجوز له تقلد القضاء، ولا الترصد للفتيا، وإذا جمع هذه العلوم، وكان مجانبا للأهواء والبدع، مدرعا بالورع، محترزا عن الكبائر، غير مصر على الصغائر، جاز له أن يتقلد القضاء، ويتصرف في الشرع بالاجتهاد والفتوى، ويجب على من لم يجمع هذه الشرائط تقليده فيما يعن له من الحوادث.

                                                                            وجوز أصحاب الرأي للعامي أن يتقلد القضاء، ثم يقضي بما يفتي به أهل العلم، وقال معمر ، عن قتادة : " كان قضاة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ستة: عمر ، وعلي ، وأبي بن كعب ، وعبد الله بن مسعود ، وأبو موسى الأشعري ، وزيد بن ثابت .

                                                                            فكان قضاء عمر ، وابن مسعود ، والأشعري يوافق بعضه بعضا، وكان يأخذ بعضهم من بعض، وكان قضاء علي ، وأبي بن كعب ، وزيد يشبه بعضه بعضا، وكان يأخذ بعضهم من بعض، وكان زيد يأخذ من علي وأبي ما بدا له.

                                                                            التالي السابق


                                                                            الخدمات العلمية