الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                            صفحة جزء
                                                                            2547 - أخبرنا أبو الحسن الشيرزي ، أنا زاهر بن أحمد ، أنا أبو إسحاق الهاشمي ، أنا أبو مصعب ، عن مالك ، عن أبي ليلى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سهل ، عن سهل بن أبي حثمة ، أنه أخبره هو ورجال من كبراء قومه، أن عبد الله بن سهل ، ومحيصة خرجا إلى خيبر من جهد أصابهما، فأتي محيصة، فأخبر أن عبد الله بن سهل قد قتل، وطرح في فقير، أو عين، فأتى يهود، فقال: أنتم والله قد قتلتموه، قالوا: والله ما قتلناه، فأقبل حتى قدم على قومه، فذكر لهم ذلك، ثم أقبل هو وأخوه حويصة وهو أكبر منه، وعبد الرحمن بن سهل أخو المقتول، فذهب محيصة ليتكلم وهو الذي كان بخيبر ، [ ص: 215 ] فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمحيصة : " كبر كبر " يريد السن، فتكلم حويصة، ثم تكلم محيصة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إما أن يدوا صاحبكم، وإما أن يؤذنوا بحرب" فكتب إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، فكتبوا: إنا والله ما قتلناه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحويصة ، ومحيصة ، وعبد الرحمن : "أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟ " قالوا: لا، قال: "فتحلف لكم يهود "قالوا: ليسوا بمسلمين! فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم من عنده، فبعث إليهم مائة ناقة حتى أدخلت عليهم في الدار، قال سهل : لقد ركضتني منها ناقة حمراء .

                                                                            حديث متفق على صحته، أخرجه محمد عن عبد الله بن يوسف ، وأخرجه مسلم ، عن إسحاق بن منصور ، عن بشر بن عمر ، كلاهما عن مالك .

                                                                            قوله: "وطرح في فقير"، أي: بئر، وفقير النخل: حفرة تحفر للفسيلة إذا حولت لتغرس فيها، والفقير: فم القناة، [ ص: 216 ] وقيل: سمي سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم ذا الفقار، لأنه كانت فيه حفر صغار حسان .

                                                                            وقوله: "كبر كبر" فيه إرشاد إلى أن الأكبر أحق بالإكرام والبداية بالكلام.

                                                                            قال الإمام: صورة قتيل القسامة أن يوجد قتيل، وادعى وليه على رجل، أو على جماعة وعليهم لوث ظاهر، واللوث: ما يغلب على القلب صدق المدعي بأنه وجد فيما بين قوم أعداء لهم لا يخالطهم غيرهم، كقتيل خيبر وجد بينهم، والعداوة بين الأنصار وبين وأهل خيبر ظاهرة، أو اجتمع جماعة في بيت، أو صحراء، وتفرقوا عن قتيل، أو وجد في ناحية قتيل، وثم رجل مختضب بدمه، أو شهد عدل واحد على أن فلانا قتله، أو قاله جماعة من العبيد والنسوان، جاؤوا متفرقين بحيث يؤمن تواطؤهم ونحو ذلك من أنواع اللوث، فيبدأ بيمين المدعي، فيحلف خمسين يمينا، ويستحق دعواه، وإن لم يكن هناك لوث فالقول قول المدعى عليه مع يمينه، كما في سائر الدعاوى، ثم يحلف يمينا واحدا، أم خمسين يمينا؟ فيه قولان، أقيسهما: يحلف يمينا واحدا.

                                                                            وممن ذهب إلى البداية بيمين المدعي: مالك ، والشافعي ، وأحمد قولا بظاهر الحديث، وإذا بدأنا بيمين المدعي وهم جماعة، توزع الأيمان الخمسون عليهم على قدر مواريثهم على أصح القولين، ويجبر الكسر، والقول الثاني: يحلف كل واحد منهم خمسين يمينا، فإن نكل المدعي عن اليمين، ردت إلى المدعى عليه، فيحلف خمسين يمينا على نفي القتل، فإن كانوا جماعة توزع عليهم على عدد رؤوسهم على أصح القولين. [ ص: 217 ] .

                                                                            وذهب أصحاب الرأي إلى أنه لا يبدأ بيمين المدعي، بل يحلف المدعى عليه، وقالوا: إذا وجد قتيل في محلة يختار الإمام خمسين رجلا من صلحاء أهلها، ويحلفهم على أنهم: ما قتلوه، ولا عرفوا له قاتلا، ثم يأخذ الدية من أصحاب الخطة، فإن لم يعرفوا، فمن سكانها، وليس في شيء من الأصول اليمين مع الغرامة، وإنما جاءت اليمين في البراءة أو الاستحقاق على مذهب من يرى رد اليمين على المدعي، أو يحكم في المال باليمين مع الشاهد.

                                                                            واختلف أهل العلم في وجوب القصاص بالقسامة، فذهب قوم إلى وجوب القصاص فيها، لقوله: " تحلفون وتستحقون دم صاحبكم" .

                                                                            روي ذلك عن ابن الزبير ، وهو قول عمر بن عبد العزيز ، وإليه ذهب مالك ، وأحمد وأبو ثور ، هذا كما لو لم يكن هناك لوث، ونكل المدعى عليه عن اليمين يحلف المدعي، ويستحق القود.

                                                                            وذهب جماعة إلى أنه لا يجب به القود، بل تجب الدية مغلظة في ماله، روي ذلك عن ابن عباس ، وبه قال الحسن البصري ، والنخعي ، وهو قول الثوري ، وقول الشافعي في الجديد، وأصحاب الرأي ، وإسحاق ، وتأولوا قوله: " دم صاحبكم " أي: ديته، وقد روي من طريق آخر: " إما أن يدوا صاحبكم، وإما أن يؤذنوا بحرب " ، أما إذا ادعى قتل خطإ، أو شبه عمد، وحلف، فالدية على العاقلة، وكان الحكم لا يرى القسامة شيئا. [ ص: 218 ] .

                                                                            وفي الحديث دليل على ثبوت رد اليمين إذا نكل من توجه عليه اليمين حتى لو ادعى على رجل حقا، فأنكر ونكل عن اليمين، لا يقضى عليه بالنكول، بل يرد اليمين على المدعي، فإن حلف، استحق دعواه، وهو قول الشافعي ، وذهب أصحاب الرأي إلى أن اليمين لا ترد، بل يقضى بالنكول على المدعى عليه.

                                                                            وفيه أن الحكم بين أهل الذمة كالحكم بين المسلمين في أنهم يحلفون إذا توجه عليهم اليمين، وإذا حلفوا، برئوا، وذهب مالك إلى أن أيمان أهل الكتاب لا تقبل على المسلمين، كما لا تقبل شهادتهم.

                                                                            وفيه أنهم لما لم يرضوا بأيمان الكفار، وداه النبي صلى الله عليه وسلم من عنده إذ كان من سننه أن لا يترك دما حراما هدرا، وهو على المسلمين، وولي أمرهم.

                                                                            وتثبت القسامة في قتل العبيد على قول الشافعي في الجديد، وهو الأصح، فيحلف سيده خمسين يمينا إذا كان ثم لوث، وتستحق قيمته على من يدعي عليه، ولا قسامة في الأطراف، بل القول فيه قول المدعى عليه مع يمينه، سواء كان ثم لوث أو لم يكن.

                                                                            وروي عن سعيد بن عبيد الطائي ، عن بشير بن يسار في قتيل خيبر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: " تأتوني بالبينة على من قتل " قالوا: ما لنا بينة، قال: "فيحلفون لكم" .

                                                                            وعن رافع بن خديج ، أن النبي صلى الله عليه وسلم ، [ ص: 219 ] قال: " لكم شاهدان؟ " ، قالوا: لم يكن ثم أحد من المسلمين، قال: "فاختاروا منهم خمسين فاستحلفهم" ، والروايات الصحيحة ما سبق من البداية بأيمان المدعين.

                                                                            التالي السابق


                                                                            الخدمات العلمية