الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                            صفحة جزء
                                                                            2527 - أخبرنا محمد بن الحسن الميربندكشائي ، أنا أبو سهل السجزي ، أنا أبو سليمان الخطابي ، أنا أبو بكر بن داسة ، نا أبو داود السجستاني ، نا عبيد الله بن عمر بن ميسرة الجشمي، نا يحيى بن سعيد ، عن عوف ، نا حمزة أبو عمر العائدي ، حدثني علقمة بن وائل ، حدثني وائل بن حجر ، قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ جيء برجل قاتل في عنقه النسعة، قال: فدعا ولي المقتول، [ ص: 160 ] فقال: " تعفو؟ " ، قال: لا، قال: " فتأخذ الدية؟" ، قال: لا، قال: "أفتقتل؟ " ، قال: نعم، قال: "اذهب به" ، فلما ولى، قال: "أتعفو؟" ، قال: لا، قال: " أفتأخذ الدية" ، قال: لا، قال: "أفتقتل؟" ، قال: نعم، قال: "اذهب به" ، فلما كان في الرابعة قال: "أما إنك إن عفوت عنه يبوء بإثمه وإثم صاحبه " ، قال: فعفا عنه، قال: فأنا رأيته يجر النسعة .

                                                                            وأخرجه مسلم من طريق آخر عن علقمة بن وائل [ ص: 161 ] وفيه دليل على أن ولي الدم مخير بين القصاص، وبين أن يعفو عن القصاص على الدية، وبين أن يعفو مجانا.

                                                                            واختلف قول الشافعي فيما لو عفا مطلقا هل تجب الدية أم لا؟ أصح قوليه: أنه لا تجب الدية إلا أن يعفو على الدية، وفيه دليل على أن دية العمد حالة في مال الجاني، وفيه دليل على أن للإمام أن يتشفع إلى ولي الدم في العفو، وقد روي عن عطاء بن أبي ميمونة ، عن أنس ، قال: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم " رفع إليه شيء فيه قصاص إلا أمر فيه بالعفو " .

                                                                            وفيه إباحة الاستيثاق والرباط ممن يجب عليه القصاص إذا خيف انفلاته.

                                                                            وفيه دليل على أن القاتل إذا عفي عنه يخلى سبيله، ولا يعزز، حكي عن مالك أنه قال: يضرب بعد العفو مائة، ويحبس سنة.

                                                                            وقوله: "يبوء بإثمه وإثم صاحبه" ، يقول: يبوء، أي: يتحمل إثمه فيما قارف من الذنوب سوى القتل، ولو قتل ربما كان القتل كفارة له، و "إثم صاحبه" ، أي: يتحمل إثمه في قتل صاحبه، فأضاف الإثم إلى صاحبه، لكون قتله سببا لإثمه، كما قال الله سبحانه وتعالى: ( إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون ) أضاف الرسول إليهم، [ ص: 162 ] وإنما هو رسول الله أرسله إليهم.

                                                                            وروي في هذا الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للرجل: " خذه " فخرج به ليقتله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أما إنه إن قتله كان مثله" .

                                                                            قيل: معناه كان مثله في حكم البواء، أي: صارا متساويين، لا فضل للمقتص إذا استوفى حقه على المقتص منه، وقيل: أراد به ردعه عن قتله؛ لأن القاتل كان يدعي أنه لم يقصد قتله، فلو قتله الولي، كان في وجوب القود عليه مثله لو ثبت منه القصد في القتل، يدل عليه ما روي عن أبي هريرة ، قال: قتل رجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفع القاتل إلى وليه، فقال القاتل: يا رسول الله، ما أردت قتله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أما إن كان صادقا، فقتلته، دخلت النار " ، فخلاه الرجل .

                                                                            وفيه دليل على أن من جرى عليه قتل، هو غير قاصد فيه، لا قصاص عليه، ولو قتله ولي الدم، كان آثما وعليه القود.

                                                                            والقتل على ثلاثة أنواع: عمد محض، وهو أن يقصد قتل كفئه، بما يقصد به القتل غالبا، فيجب فيه القصاص أو الدية مغلظة في مال الجاني حالة.

                                                                            والثاني: شبه العمد، وهو أن يقصد ضربه بما لا يموت مثله من مثل ذلك الضرب غالبا، بأن ضربه بعصا خفيف، أو حجر صغير ضربة أو [ ص: 163 ] ضربتين، فمات، لا يجب القصاص، وتجب الدية مغلظة على عاقلته مؤجلة إلى ثلاث سنين، فإن كان المضروب صغيرا، أو مريضا يموت منه غالبا، لو كان قويا، ولكن الضارب والى عليه بالضرب حتى مات، يجب القود.

                                                                            والنوع الثالث: الخطأ المحض هو أن لا يقصد ضربه، إنما قصد غيره، فأصابه، أو حفر بئر عدوان، فتردى فيها إنسان، أو نصب شبكة حيث لا يجوز، فتعلق بها رجل ومات، فلا قود عليه، وتجب الدية مخففة على العاقلة في ثلاث سنين.

                                                                            التالي السابق


                                                                            الخدمات العلمية