الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                            صفحة جزء
                                                                            2769 - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، نا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، نا يوسف بن موسى، نا أبو خالد الأحمر، قال: سمعت هشام بن عروة، يحدث، عن أبيه، عن عائشة، قالت: قالوا: يا رسول الله، إن هنا أقواما حديث عهدهم بشرك، يأتونا بلحمان، لا ندري يذكرون اسم الله عليها أم لا؟ قال: "اذكروا أنتم اسم الله وكلوا".

                                                                            هذا حديث صحيح.

                                                                            ولو كانت التسمية شرطا للإباحة ، كان الشك في وجودها مانعا من أكلها ، كالشك في أصل الذبح .

                                                                            واتفقوا على حل ذبيحة أهل الكتاب . [ ص: 195 ] .

                                                                            وقوله : " إن أكل فلا تأكل " ، فيه دليل على أن الجارحة إذا أكلت من الصيد شيئا ، كان حراما ، واختلف أهل العلم فيه ، فذهب أكثرهم إلى تحريمه ، روي ذلك عن ابن عباس ، وعمر ، وإليه ذهب عطاء ، وهو قول الثوري ، وابن المبارك ، وأحمد ، وإسحاق ، وأصحاب الرأي ، وأصح قولي الشافعي .

                                                                            ورخص فيه بعض أهل العلم ، وهو قول مالك .

                                                                            لما روي عن أبي إدريس الخولاني ، عن أبي ثعلبة الخشني ، قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم في صيد الكلب : " إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله ، فكل وإن أكل منه " ، ويروى هذا أيضا عن ابن عمر ، وعن سعد بن أبي وقاص : " كل وإن لم تدرك إلا بضعة واحدة " .

                                                                            وفرق بعض أهل العلم بين الكلب والبازي ، فقال : يحرم ما أكل منه الكلب ، ولا يحرم ما أكل منه البازي ، وهو اختيار المزني ، لأن [ ص: 196 ] الكلب يعلم بترك الطعم ، والبازي يعلم بالطعم ، فأكله لا يحرم الصيد .

                                                                            فمن ذهب إلى تحليله متمسكا بحديث أبي ثعلبة ، حمل النهي في حديث عدي بن حاتم على معنى التنزيه دون التحريم ، ومن ذهب إلى تحريمه .

                                                                            فأول قوله في حديث أبي ثعلبة : " فكل وإن أكل " ، يعني : وإن أكل فيما مضى من الزمان إذا لم يأكل في الحال .

                                                                            واختلف القائلون بتحريمه في الصيود التي اصطادها من قبل مما لم يأكل منها أنها هل تحرم ؟ فمنهم من ذهب إلى أنه إذا أكل من صيد مرة يحرم به كل صيد اصطاده من قبل ، ومنهم من لم يحرم إلا ما أكل منه ، فأما إذا شرب الدم ، فلا يحرم ، قاله عطاء ، والأكثرون .

                                                                            وقوله : " إذا خالط كلابا لم يذكر اسم الله عليها وقتلن ، فلا تأكل " ، دليل على أن الكلب إذا خرج بنفسه من غير إرسال صاحب فقتل أنه لا يحل .

                                                                            وفيه دليل على أنه إذا اشترك في الذبح من تحل ذبيحته ، ومن لا تحل ذبيحته ، مثل أن اشترك مسلم ومجوسي أو مرتد في ذبح شاة ، أو أرسل مسلم ومجوسي كلبا ، أو سهما ، على صيد ، فأصابه وقتله ، أنه يكون حراما ، وإن أرسل كل واحد سهما ، أو كلبا ، فأصابه معا فحرام ، إلا أن تصيب جارحة المسلم المذبح ، وجارحة المجوسي غير المذبح ، فيكون حلالا ، لأن الذبح قد حصل بجارحة المسلم ، فلا يؤثر فعل المجوسي في تحريمه ، ويحل ما اصطاده المسلم بكلب المجوسي ، ولا يحل ما اصطاده المجوسي بكلب المسلم إلا أن يدركه المسلم حيا ، فيذبحه . [ ص: 197 ] .

                                                                            وفي الحديث دليل على أنه إذا أرسل كلبا ، أو سهما على صيد ، فجرحه ، فغاب عنه ، ثم وجده ميتا ، وليس فيه إلا أثر جرحه أنه يحل .

                                                                            واختلف أهل العلم فيه ، فذهب أكثرهم إلى أنه حلال إلا أن يجد فيه جراحة غيره ، أو يجده في ماء ، فلا يحل ، لأنه لا يدرى أنه مات من فعله ، أو من فعل غيره ممن لا تحل ذبيحته ، أو غرقه الماء ، فأهلكه ، وللشافعي فيه قولان : أحدهما هذا ، والقول الثاني : أنه حرام ، وقال عبد الله بن عباس : كل ما أصميت ، ودع ما أنميت .

                                                                            وما أصميت : ما قتلته وأنت تراه ، وما أنميت : ما غاب عنك مقتله .

                                                                            وقال مالك : إن وجده من يومه ، فحلال ، وإن بات ، فلا .

                                                                            فأما إذا كان سهمه ، أو كلبه أصاب مذبحه ، فهو حلال ، سواء وجده في ماء ، أو وجد فيه سهم غيره ، لأن الذبح قد تم بإصابة المذبح ، فلا يتغير حكم تحليله بما يحدث من بعد .

                                                                            ويروى في حديث عدي : " فإن أمسك عليك ، فأدركته حيا ، فاذبحه " ، وهذا قول أهل العلم : أن الكلب إذا أخذ صيدا ، أو رمي إليه ، فأدركه صاحبه حيا ، لا يحل ما لم يذبحه بقطع الحلق واللبة ، فإن فرط في ذبحه لتعذر أداة ، أو غيره حتى مات ، فلا يحل ، وكذلك كل ما جرحه السبع من الصيود ، فأدركه والحياة فيه مستقرة فذبحه ، يحل وإن صار بجرح السبع إلى حالة المذبوح ، فلا يحل ، قال الله [ ص: 198 ] سبحانه وتعالى : ( وما أكل السبع إلا ما ذكيتم ) ، وأصل الذكاة : تمام الشيء وبلوغه منتهاه ، يقال : ذكيت النار : إذا أتممت إشعالها .

                                                                            التالي السابق


                                                                            الخدمات العلمية