الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                            صفحة جزء
                                                                            2800 - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي شريح، أنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، نا علي بن الجعد، أنا شعبة، أخبرني أبو بشر، سمعت سعيد بن جبير، يحدث عن ابن عباس، قال: أهدت أم حفيد إلى النبي صلى الله عليه وسلم سمنا، وأقطا، وأضبا، "فأكل النبي صلى الله عليه وسلم من السمن، والأقط، وترك الضب تقذرا"، قال ابن عباس: فأكل على مائدة النبي صلى الله عليه وسلم، ولو كان حراما ما أكل على مائدته.

                                                                            هذا حديث متفق على صحته أخرجه محمد، عن آدم، وأخرجه [ ص: 239 ] مسلم، عن محمد بن بشار، عن غندر، كلاهما عن شعبة.

                                                                            وأبو بشر اليشكري ، هو جعفر بن إياس بن أبي وحشية يعد في البصريين ، مات سنة أربع ، أو ثلاث وعشرين ومائة ، وأم حفيد بنت الحارث بن حزن خالة عبد الله بن عباس .

                                                                            وفي الحديث دليل على أن ترك النكير من النبي صلى الله عليه وسلم يكون دليل الإباحة ، واختلف أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم في أكل الضب ، فذهب جماعة إلى إباحته ، روي ذلك عن عمر ، وابن عباس ، وإليه ذهب مالك ، والأوزاعي ، والشافعي ، وكرهه قوم ، روي ذلك عن علي ، وإليه ذهب أصحاب الرأي ، وروي في النهي عن لحم الضب حديث ليس إسناده بذاك ، روي عن عبد الرحمن بن شبل ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " نهى عن أكل لحم الضب " .

                                                                            واختلف أهل العلم في اليربوع ، فأباح أكله جماعة ، منهم : عروة ، وعطاء ، وبه قال الشافعي ، وأبو ثور ، وكرهه ابن سيرين ، والحكم ، وحماد ، وأصحاب الرأي ، وكره هؤلاء أيضا الوبر ، وأباحه جماعة ، [ ص: 240 ] روي ذلك عن عطاء ، ومجاهد ، وطاوس ، وإليه ذهب مالك ، والشافعي .

                                                                            وقد روي في تحريم القنفذ حديث ليس إسناده بذاك .

                                                                            قال الشافعي : إن ثبت الحديث ، قلت بتحريمه ، وأباحه ابن عمر ، وهو قول أبي ثور ، وحكاه عن الشافعي ، وحرمه أصحاب الرأي ، وسئل عنه مالك ، فقال : لا أدري .

                                                                            وروي عن عيسى بن نميلة ، عن أبيه ، قال : كنت عند ابن عمر ، فسئل عن القنفذ ، فتلا قوله سبحانه وتعالى : ( قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما ) ، قال شيخ عنده : سمعت أبا هريرة ، يقول : ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : " خبيثة من الخبائث " ، فقال ابن عمر : إن كان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا ، فهو كما قال .

                                                                            والأصل عند الشافعي : أن ما لم يرد فيه نص تحريم ، ولا تحليل ، ولا أمر بقتله ، ولا نهي عن قتله ، فالمرجع إلى الأغلب من عادات العرب ، لأن الله سبحانه وتعالى خاطبهم بقوله : ( يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات ) ، فثبت أن ما استطابوه فهو حلال ، وما تركوه ، فمن الخبائث .

                                                                            أما ما أمر الشرع بقتله ، أو نهى عن قتله ، فلا يكون حلالا ، كما قال : عليه السلام : " خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم " .

                                                                            وروي أنه عليه السلام " أمر [ ص: 241 ] بقتل الأوزاغ " .

                                                                            وروي أنه عليه السلام " نهى عن قتل الضفدع " .

                                                                            وعن عبد الله بن عباس ، قال : " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل أربعة من الدواب : النملة ، والنحلة ، والهدهد ، والصرد " ، واختلفوا في السلحفاة ، فكان الحسن لا يرى بها بأسا . [ ص: 242 ] .

                                                                            التالي السابق


                                                                            الخدمات العلمية