الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                              ذكر الاختلاف في هذا الباب

                                                                                                                                                                              واختلفوا في الإمام ينفل في البدأة الربع، وإذا قفل الثلث، فأباحت طائفة ذلك، وممن رأى أن ينفل الإمام في البدأة الربع بعد الخمس، وفي الرجعة الثلث بعد الخمس: حبيب بن مسلمة، والحسن البصري، وبه قال الأوزاعي، وأحمد بن حنبل، وقال النخعي : كان الإمام ينفل السرية الثلث، أو الربع يغريهم، أو يحرضهم بذلك على القتال، وقال مكحول، والأوزاعي : لا ينفل بأكثر من الثلث. قال الأوزاعي : فإن نفلهم أكثر من الربع في البدأة، والثلث في الرجعة فعملوا عليه قال: فليف لهم به، وليجعل تلك الزيادة من الخمس .

                                                                                                                                                                              وكان الشافعي يقول: وقد روى بعض الشاميين في النفل في البدأة والرجعة الثلث في واحدة، والربع في الأخرى، ورواية ابن عمر أنه نفل [ ص: 140 ] نصف السدس، فهذا يدل على أن ليس للنفل حد لا يجاوزه الإمام، وأكثر مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن فيها أنفال، فإذا كان للإمام أن لا ينفل فنفل، فينبغي أن يكون على الاجتهاد غير محدود .

                                                                                                                                                                              وقال أبو ثور: وقد نفل النبي صلى الله عليه وسلم الناس في البدأة والرجوع، وقال ابن عمر : نفلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيرا بعيرا، وإنما النفل قبل الخمس، والله أعلم .

                                                                                                                                                                              وقد حكى ابن القاسم كراهية مالك ; لأن يقول الإمام: من قاتل في موضع كذا وكذا، أو من قتل من العدو، وجاء برأسه فله كذا، أو بعث سرية في وجه من الوجوه، فقال: ما غنمتم من شيء فلكم نصفه، كره أن يقاتل الرجل على أن يجعل له، ويسفك دم نفسه على مثل هذا .

                                                                                                                                                                              وقال سفيان الثوري في أمير أغار فقال: من أخذ شيئا، فهو له مال: هو كما قال: وقال: ولا بأس أن يقول الإمام: من جاء برأس فله كذا، ومن جاء بأسير فله كذا يغريهم .

                                                                                                                                                                              وقال الحسن البصري : ما نفل الإمام فهو جائز .

                                                                                                                                                                              6128 - حدثنا محمد بن علي، قال: حدثنا سعيد، قال: حدثنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن بكير، أن سليمان بن يسار، حدثه أنهم كانوا مع معاوية بن حديج في غزوة بالمغرب، فنفل الناس، [ ص: 141 ] ومعنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يرد ذلك أحد غير حباب بن عمرو الأنصاري .

                                                                                                                                                                              6129 - حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا حجاج، حدثنا حماد، قال: حدثنا داود، عن الشعبي، أن جرير بن عبد الله البجلي، قدم على عمر بن الخطاب في قومه، وهو يريد الشام، فقال له عمر: هل لك أن تأتي الكوفة، ولك الثلث بعد الخمس من كل أرض وشيء .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر: قال الله تعالى: ( واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه ) ، فلولا الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أعطى القاتل السلب، وقال: "من قاتل كافرا، فله سلبه" ، ما جاز أن يعطى القاتل السلب، فالسلب مستثنى من جملة الآية يكون للقاتل من جملة الغنيمة قبل الخمس، والطعام مباح أكله من طعام العدو للأخبار الدالة على إباحة ذلك، والعلف في معناه، ثم يخرج الإمام ما لا غنى بالجيش عنه لحملان السبي والغنائم، وأجرة الرعاء، وما أشبه ذلك كل مستثنى بما ذكرناه في الأبواب فيما مضى ذكره من الحجج، ثم للإمام بعد ذلك أن ينفل في البدأة الربع بعد الخمس، وفي الرجعة الثلث بعد الخمس، لا يزيدهم على ذلك، فإن زادهم على ذلك كان ذلك [ ص: 142 ] مردودا، ولولا الأخبار الدالة على إباحة ما ذكرناه، لم يجز إخراج شيء من ذلك من جملة الغنيمة، فوجب أن يبيح ما أباحت الأخبار، ويقف (عن) إجازة ما لا تدل الأخبار على إجازته، لأن ما اختلف فيه من ذلك يجب رده إلى قوله: ( واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه ) ، ولو أعطى إمام شيئا من الغنيمة أحدا غير ما ذكرناه كان ذلك مردودا، ولم يطب ذلك لأحد أعطيه، بل عليه رده إلى جملة الغنائم، إن لم يكن استهلكه، فإن كان استهلكه، فعليه مثله إن كان له مثل، أو قيمته إن لم يكن له مثل، وإن كان المعطى ممن لا يوصل إلى أخذ الشيء منه، وجب على الإمام غرمه، يدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أدوا الخياط، والمخيط، وإياكم والغلول، فإنه عار على أهله يوم القيامة" .

                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية