الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                              ذكر الذمي يشتري أرضا من أرض العشر

                                                                                                                                                                              واختلفوا في الذمي يشتري أرضا من أرض العشر، فقالت طائفة: "لا شيء عليه فيها، وذلك أن العشر إنما يجب على المسلمين طهورا لهم، وليس على أهل الذمة صدقة في زروعهم ، كذلك قال مالك بن أنس، وقال: "إنما الجزية على رؤوسهم وفي أموالهم إذا مروا بها في تجاراتهم" . [ ص: 40 ]

                                                                                                                                                                              وحكى أبو عبيد، عن مالك أنه قال: "لا عشر عليه ولكنه يؤمر ببيعها، لأن في ذلك إبطالا للصدقة" ، وكذلك رووا عن الحسن بن صالح أنه قال: لا عشر عليه ولا خراج إذا اشتراها الذمي من مسلم وهي أرض عشر، وقال: هذا منزلة ما لو اشترى ماشيته [أفلست] ترى أن الصدقة سقطت عنه فيها؟ قال أبو عبيد : وقول مالك، والحسن بن صالح، وشريك في هذا عندي أشبه بالصواب" .

                                                                                                                                                                              وكان الحسن البصري يقول: "ليس على أهل الذمة صدقة في أموالهم، وليس عليهم إلا الجزية" ، وقال النخعي: الصدقة على من تجر من أهل الكتاب، وكان الشافعي يقول: لا عشر عليه في ذلك، وحكى أشهب عن مالك كحكاية أبي عبيد عنه، قال: سئل عن الذمي يشتري أرضا من أرض العشر؟ فقال: لا عشر عليه، ولكنه يؤمر ببيعها; لأن في ذلك إبطالا للصدقة. وقال أبو ثور: يجبر على بيعها; لأن في ذلك إبطال حق للمسلمين .

                                                                                                                                                                              وفيه قول ثان: وهو، أن الذمي إذا اشترى أرض عشر تحولت أرض خراج. هكذا قال النعمان، وقال يعقوب: يضاعف عليه العشر، وكان [ ص: 41 ] سفيان الثوري يقول: عليه العشر على حاله، وبه قال ابن الحسن .

                                                                                                                                                                              وقال النعمان، ويعقوب : "إن اشترى التغلبي أرضا من أرض العشر كان عليه العشر مضاعفا، فإن اشتراها منه بعد ذلك مسلم كان عليه العشر مضاعفا في قول النعمان وزفر" .

                                                                                                                                                                              وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن كل أرض أسلم عليها أهلها قبل أن يقهروا أنها لهم، وأن أحكامهم أحكام المسلمين، لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، وأن عليهم فيما زرعوه الزكاة، وكذلك ثمارهم وسائر أموالهم.

                                                                                                                                                                              وقد ذكرنا تفسير ذلك في كتاب الزكاة، ولا أعلمهم يختلفون في أن لا شيء على أهل الذمة في منازلهم ورقيقهم ودورهم، ولا في سائر أموالهم إذا كانوا من غير بني تغلب إلا ما يمرون به على العاشر، فإنا ذكرنا ما عليهم في ذلك في كتاب الزكاة .

                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية