الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                              ذكر موت الرجل قبل الوقعة أو بعدها

                                                                                                                                                                              واختلفوا فيمن مات بعد دخول بلاد العدو قبل أن تحاز الغنيمة أو بعد ذلك، فقالت طائفة: إذا حضر القتال ومات بعد أن تحاز الغنيمة، ضرب له بسهمه، وأعطي ورثته من بعده، هذا قول الشافعي، وأبي ثور، وفي قولهما: إن مات قبل القتال فلا شيء له، وقد حكي عن الثوري أنه قال: لا شيء له إن مات قبل القتال .

                                                                                                                                                                              وذكر ابن القاسم قول مالك في الرجل يقاتل في الغزو فيقتل، ثم يفتح لهم، أترى أن يعطى سهمه مما غنموا؟ قال: نعم. وما الذي يمنعه من ذلك؟ قيل له: فلو لم يفتحوا إلا بعد يوم، أترى أن يعطى؟ قال: نعم، وحكى القعنبي عن مالك أنه سئل عن الرجل يخرج الغزو فيموت (أيقسم له بعد موته؟ قال: لا أرى القسم إلا لمن شهد القتال) .

                                                                                                                                                                              وقالت طائفة: إذا مات أو قتل بعدما يدرب فاصلا في سبيل الله، أسهم له; هذا قول الأوزاعي . [ ص: 171 ]

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر: أنكر الأوزاعي على الكوفي قوله: إذا دخل الرجل في الديوان راجلا، أو دخل أرض العدو غازيا راجلا ثم ابتاع فرسا فقاتل عليه، أنه يضرب له بسهم راجل; ودخل في مثله، حيث جعل للميت الذي مات أو قتل بعدما يدرب فاصلا في سبيل الله سهمه، لأن هذا لا يخلو من أحد أمرين، إما أن ينظر إلى وقت القتال فيحكم بالسهم لمن شهد القتال، فإن كان هذا هكذا، فليس لمن مات قبل القتال شيء، أو يقول قائل: إن من مات أو قتل بعدما يدرب فاصلا في سبيل الله يسهم له، فليقل مثله فيمن أدرب راجلا، واشترى فرسا، فقاتل عليه أن يعطى سهم راجل; لأنه الوقت الذي استحق سهمه من حيث أوجب لمن مات أو قتل بعد أن أدرب سهمه، وإن لم يشهد القتال، وقال الأوزاعي : إن غزا رجل بفرس، فمات بعدما قطع الدرب، وغنم المسلمون بعد ذلك غنيمة قال: سهم نفسه لورثته، ولا يسهم فرسه .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر: وهذا لا ينقاس; لأن هذا إنما يحكم له (بحكم) من حضر فيجب أن يعطى سهم فارس، (أو) يكون في معنى من لم يحضر، فلا يستحق سهم فارس ولا راجل، وأما أن يقول قائل: هو في معنى من حضر حيث يعطى سهم راجل، وفي معنى من لم يحضر بأنه لا يعطى سهم فارس، فهذا عندي اختلاف من القول، ولا أعلم مع قائله حجة .

                                                                                                                                                                              وقالت طائفة: إن مات بعدما أصابوا الغنيمة في دار الحرب قبل أن يحوز المسلمون الغنيمة إلى دار الإسلام، لم يسهم له، ولا لورثته في الغنيمة شيء، وإن أحرز المسلمون الغنيمة إلى دار الإسلام، ثم مات رجل من أهل العسكر، فإنه يسهم لورثته سهمه . [ ص: 172 ]

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر: كما قال الشافعي أقول، وذلك أن الله - جل ذكره - ملك أهل الإسلام غنائم أهل دار الحرب، وأجله لهم، فقال - جل ذكره - : ( فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا ) ، فإذا غنم قوم غنيمة، فقد ملكوا أربعة أخماسها، والخمس لمن ذكر الله في سورة الأنفال، وليس بتأخيرهم أن يقسموا ما قد ملكوه على العدو، مما يجب إن زال به ملك مالك عما ملكه، ولما قال مخالفنا: إن الإمام إذا قسم بينهم الغنائم قبل أن يخرجوه إلى دار الإسلام إن القسم جائز، وإن كان الاختيار عندهم أن يؤخر ذلك، حتى يخرج من دار الحرب، وأن كل من قبض سهمه مما غنم، فإنما قبض ما هو ملك له، لزمه أن يجعل ما هو ملك له في حياته لورثته من بعده، مع أن أحكام الله - جل ذكره - جارية على المسلمين في دار الحرب ودار الإسلام، دار الحرب لا تغير حكما عن الموضع الذي يجب، ولا تزيل أملاك الناس .

                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية