الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


ثم قال:

[ ص: 338 ]

واغفر لوالدي ما قد فعلا من سيئ رحماك يا رب العلا


وارحم بفضل منك من علمنا     كتابك العزيز أو أقرأنا

لما فرغ من الدعاء لنفسه شرع هنا في الدعاء لغيره; لأن من جملة آداب الدعاء أن يبدأ الداعي بنفسه، ثم يذكر غيره كما في دعاء سيدنا نوح وسيدنا إبراهيم، وقدم والديه على غيرهما فدعا لهما بالغفران والرحمة، وإنما قدمهما لعظيم حقهما؛ إذ أوصى الله بهما في غير ما آية، وقرن حقهما بحقه، ثم دعا بالرحمة لمن علمه الكتاب العزيز الذي هو القرآن، ولمن أقرأه إياه يعني جوده عليه، وأخذ عنه أحكام قراءته، وإنما دعا لهما لكونهما أنقذاه من ظلمات الجهل فصارا بذلك كأنهما أخرجاه من العدم إلى الوجود، فأشبها بذلك والديه فاستوجبا منه الدعاء لذلك، وقوله: "من سيئ" بيان ل: "ما" و: "رحماك" مصدر بدل من اللفظ بفعله، و: "العلى" نعت لمحذوف تقديره السماوات؛ أي: وارحمهما يا رب السماوات العلى، والباء في قوله "بفضل" سببية، ثم قال:


بجاه سيد الورى المؤمل     محمد ذي الشرف المؤثل


صلى الإله ربنا عليه     ما حن شوقا دنف إليه

هذا الكلام مرتبط بجميع ما دعا به من قوله: "وانفع به اللهم" إلى آخر دعائه، والجاه المنزلة الرفيعة، وسيد الورى سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- والورى الخلق، والمؤمل الذي تقف عليه الآمال، فلا يتعلق الرجاء بأحد سواه، وذلك حين يبعثه الله المقام المحمود حين يقول كل نبي مرسل وملك مقرب: نفسي نفسي، فيأتي الخلق كلهم من لدن آدم إلى قيام الساعة إليه -صلى الله عليه وسلم- فيقولون: يا محمد، أما ترى ما نحن فيه؟ اشفع لنا إلى ربك: فيقول: أنا لها، فيشفع الشفاعة الكبرى في الخلق كلهم صلى الله عليه وسلم، ووصفه بالشرف المؤثل، ومعناه المؤصل لكونه -صلى الله عليه وسلم- لم يزل خيارا من خيار، كما ورد في الحديث ثم ختم دعاءه بالصلاة عليه -صلى الله عليه وسلم- لما في الحديث: "إن الدعاء لا يزال موقوفا بين السماء والأرض حتى يعقب بالصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- فإذا عقب بها [ ص: 339 ] ارتفع" ، وكان من حقه أن يقرن الصلاة عليه بالتسليم عليه حسبما جاء في كتاب الله تعالى، ويضيف إليه آله؛ إذ بذلك تخرج عن الصلاة البتراء، وقوله: "ما حن شوقا دنف إليه" معناه ما بقيت الدنيا; لأن حنين الدنف اشتياقا إليه -صلى الله عليه وسلم- لا يزال ما بقيت الدنيا لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة"، ولا يتناول كلام الناظم الآخرة لاستحالة الدنف فيها، وهو المرض بسبب كثرة الشوق، و: "الدنف" في كلام الناظم بكسر النون وصف لمن قام به الدنف بفتحها، والحنين إلى الشيء هو الميل إليه حسا ومعنى، فكأنه يقول: اللهم صل على سيدنا محمد مدة دوام حنين المريض محبة، وشوقا إليه صلى الله عليه وسلم.

"قال" مؤلفه غفر الله له ولوالديه، ولأشياخه ولذريته ولأحبته، ولمن له حق عليه، ولجميع المسلمين الأحياء والميتين: هذا آخر ما تفضل به المولى الكريم، من شرح هذا النظم المتضمن لكيفية رسم وضبط القرآن العظيم، سائلا ممن اطلع عليه من ذوي الألباب أن ينظر إليه بعين الرضا والصواب، وأن يدعو لنا دعوة صالحة، تكون بها إن شاء الله تجارتنا في الدارين رابحة، وكان الفراغ من تحريره وتبييضه في أوائل صفر الخير من عام 1325 خمسة وعشرين وثلاثمائة وألف، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد خاتم النبيين، وإمام المرسلين، وعلى آله وصحبه والتابعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. اه.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث