الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
      ثم قال:


      وبعده جرده الإمام في مصحف ليقتدي الأنام


      ولا يكون بعده اضطراب     وكان فيما قد رأى صواب


      فقصة اختلافهم شهيره     كقصة اليمامة العسيره

      أخبر أن الإمام يعني سيدنا عثمان بن عفان -رضي الله عنه- جرد أصل الرسم في مصحف، أي: نسخه من الصحف، وجمعه جمعا ثانيا في مصحف بعد جمع أبي بكر المتقدم، ليقتدي به الأنام، أي: الخلق، ولا يكون بعد ذلك التجريد اضطراب، أي: اختلاف بينهم، وأنه أصاب -رضي الله عنه- فيما قد رآه من ذلك.

      قال ابن حجر: الفرق بين الصحف والمصحف: أن الصحف الأوراق المجردة التي جمع فيها القرآن في عهد أبي بكر، وكان سورا مفرقة، كل سورة مرتبة بآياتها على حدة لكن لم يرتب بعضها إثر بعض، فلما نسخت ورتب بعضها إثر بعض صارت مصحفا. ا ه.

      والمصحف مثلث الميم اسم أعجمي معناه جامع الصحف، وأشار الناظم بالبيتين الأولين، وبالشطر [ ص: 14 ] الأول من البيت الثالث إلى ما ذكره الحافظ الداني في المقنع بسنده إلى ابن شهاب الزهري، قال: أخبرني أنس بن مالك، أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكانوا يقاتلون على مرج أرمينية، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، إني قد سمعت الناس اختلفوا في القرآن اختلاف اليهود والنصارى، حتى أن الرجل ليقوم فيقول: هذه قراءة فلان، قال: فأرسل عثمان إلى حفصة: أرسلي إلينا بالصحف، فننسخها في المصاحف ثم نردها إليك، قال: فأرسلت إليه بالصحف، قال: فأرسل عثمان إلى زيد بن ثابت، وإلى عبد الله بن عمرو بن العاص، وإلى عبد الله بن الزبير، وإلى عبد الله بن عباس، وإلى عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فقال: انسخوا هذه الصحف في مصحف واحد، وقال للنفر القرشيين: إن اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت فاكتبوه على لسان قريش، فإنما نزل "يعني معظمه" بلسان قريش، قال زيد: فجعلنا نختلف في الشيء، ثم نجمع أمرنا على رأي واحد، فاختلفوا في التابوت، فقال زيد: التابوه، وقال النفر القرشيون: التابوت، قال: فأبيت أن أرجع إليهم، وأبوا أن يرجعوا إلي، حتى رفعنا ذلك إلى عثمان -رضي الله عنه- فقال عثمان: اكتبوه: التابوت، فإنما أنزل القرآن على لسان قريش، قال زيد: فذكرت آية سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم أجدها عند أحد، حتى وجدتها عند رجل من الأنصار هو خزيمة بن ثابت: لقد جاءكم رسول من أنفسكم إلى آخر السورة.

      قال ابن شهاب: قال أنس: فرد عثمان الصحف إلى حفصة، وألغى ما سوى ذلك من المصاحف. ا ه.

      والمرج الثغر؛ أي: موضع الخوف، وأرمينية مدينة عظيمة في ناحية الشمال، وفي المقنع أيضا: حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف بعث عثمان إلى كل أفق بمصحف من تلك المصاحف التي نسخوها، ثم أمر بسوى ذلك من القراءة في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق. ا ه.

      قال ابن حجر: وأكثر الروايات صريح في التحريق فهو الذي وقع. ا ه.

      وقال ابن بطال: وفي هذا الحديث جواز تحريق الكتب التي فيها اسم الله بالنار; لأن ذلك إكرام لها، وحرز عن وطئها بالأقدام. ا ه.

      قال القسطلاني: وإنما ترك النبي صلى الله عليه وسلم جمعه، أي: القرآن في مصحف [ ص: 15 ] واحد; لأن النسخ كان يرد على بعضه، فلو جمعه ثم رفعت تلاوة بعضه لأدى إلى الاختلاف والاختلاط، فحفظه الله تعالى في القلوب إلى انقضاء زمن النسخ، فكان التأليف في الزمن النبوي، والجمع في الصحف في زمن الصديق، والنسخ في المصحف في زمن عثمان، وقد كان القرآن كله مكتوبا في عهده صلى الله عليه وسلم لكن غير مجموع في موضع واحد، ولا مرتب السور. ا ه.

      ومعنى قول الناظم: كقصة اليمامة العسيرة؛ أن سبب تجريد عثمان للصحف في مصحف هو قصة اختلاف القراء المشهورة، كما أن سبب جمع أبي بكر المتقدم هو قصة حرب اليمامة الشديدة، وكيف لا تكون شديدة وقد مات فيها من المسلمين ألف ومائتان، منهم سبعمائة من حملة القرآن كما تقدم، وفي هذا البيت تعرض لبيان العلة الحاملة على الجمعين.

      وأما قوله: ليقتدي الأنام ولا يكون بعده اضطراب، فهو بيان للعلة الغائية في الجمع الثاني.

      تنبيهان:

      الأول: اختلف في عدد المصاحف العثمانية؛ فالذي عليه الأكثر أنها أربعة؛ أرسل منها سيدنا عثمان مصحفا إلى الشام، ومصحفا إلى الكوفة، ومصحفا إلى البصرة، وأبقى مصحفا بالمدينة، وقيل: خمسة، الأربعة المذكورة، والخامس أرسله إلى مكة، وقيل: ستة، الخمسة المتقدمة، والسادس أرسله إلى البحرين، وقيل: سبعة، الستة المتقدمة والسابع أرسله إلى اليمن، وقيل: ثمانية، السبعة المتقدمة، والثامن: هو الذي جمع فيه سيدنا عثمان القرآن أولا، ثم نسخ منه المصاحف، وهو المسمى بالإمام، وكان يقرأ فيه، وكان في حجره حين قتل، ولم يكتب سيدنا عثمان واحدا منها، وإنما أمر بكتابتها، وكانت كلها مكتوبة على الكاغد إلا المصحف الذي كان عنده بالمدينة، فإنه على رق الغزال.

      واعلم: أن الأئمة لم يلتزموا النقل عن المصاحف الثمانية مباشرة، بل ربما نقلوا عن مصحف منها بعينه، وربما نقلوا عن المصاحف مع حكاية إجماعها أو دونه، وربما نقلوا عن المصاحف المدنية أو المكية أو الشامية أو العراقية اعتمادا منهم على أن المظنون بمصاحف الأمصار متابعة كل واحد منها مصحف مصره العثماني، ولم يعهد منهم النقل عن مصحفي اليمن والبحرين لنقل الجعبري عن أبي علي أن [ ص: 16 ] عثمان -رضي الله عنه- أمر زيد بن ثابت أن يقرأ بالمدني، وبعث عبد الله بن السائب مع المكي، والمغيرة بن شهاب مع الشامي، وأبا عبد الرحمن السلمي مع الكوفي، وعامر بن قيس مع البصري، وبعث مصحفا إلى اليمن، وآخر إلى البحرين، فلم نسمع لهما خبرا، ولا علمنا من أنفذ معهما، قال: ولهذا انحصر الأئمة السبعة في الخمسة الأمصار، ثم قال الجعبري: والاعتماد في نقل القرآن متفقا ومختلفا على الحفاظ، ولهذا أنفذهم إلى أقطار الإسلام للتعلم، وجعل هذه المصاحف أصولا ثواني حرصا على الإنفاذ، ومن ثم أرسل إلى كل إقليم المصحف الموافق لقراءة قارئه في الأكثر، وليس لازما كما توهم. ا ه.

      التنبيه الثاني: قد تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرءوا ما تيسر منه".

      وقد اختلف العلماء في المراد بهذه الأحرف السبعة على نحو أربعين قولا، والذي عليه معظمهم، وصححه البيهقي، واختاره الأبهري وغيره، واقتصر عليه في القاموس أنها لغات.

      ومن حكم إتيانه عليها التخفيف والتيسير على هذه الأمة في التكلم بكتابهم كما خفف عليهم في شريعتهم، وهذا كالمصرح به في الأحاديث الصحيحة كقوله صلى الله عليه وسلم: "إن ربي أرسل إلي أن اقرأ القرآن على حرف واحد، فرددت إليه أن هون على أمتي، ولم يزل يردد حتى بلغ سبعة أحرف".

      ومقتضى كلام الشاطبي في العقيلة، وصرح به الجعبري، وابن الجزري في المنجد وغيرهما أن الصحف المكتوبة بإذن أبي بكر كانت مشتملة على الأحرف السبعة، وأما المصاحف العثمانية فقد اختلفوا في اشتمالها عليها، فذهب جماعة القراء والفقهاء والمتكلمين إلى أن جميع المصاحف العثمانية مشتملة على جميع الأحرف السبعة، وذهب بعضهم إلى أنها مشتملة على حرف واحد، وذهب جماهير العلماء من السلف والخلف إلى أنها مشتملة على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة فقط جامعة للعرضة الأخيرة التي عرضها صلى الله عليه وسلم على جبريل، ولم تترك حرفا منها، وهذا القول الثالث قال في النشر: هو الذي يظهر صوابه; لأن الأحاديث الصحيحة والآثار المشهورة تدل عليه. ا ه.

      وقوله: ليقتدي يقرأ [ ص: 17 ] بإسكان الياء على أن نصبه مقدر للوزن، والناصب له أن مضمرة بعد اللام.

      وقوله: ولا يكون بالنصب عطف على يقتدي.

      التالي السابق


      الخدمات العلمية