الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

المقصود بالذات من الحمد إلى سورة الأعراف

ثم قال:


من سورة الحمد للأعراف اعرفا فياء إبراهيم في البكر احذفا


لغير حرمي وقالوا اتخذا     يحذف شام واوه أوصى خذا


للمدنيين وشام بالألف     يقاتلون تلو حق مختلف


والمك والعراق واوا سارعوا     بالزبر الشامي بباء شائع


كذا الكتاب بخلاف عنهم     والشام ينصب قليلا منهم


واو يقول للعراقي فزد     والمدنيان وشام يرتدد

من هنا شرع الناظم في المقصود بالذات، وقسمه إلى أربعة أرباع: الربع الأول: من سورة الحمد إلى سورة الأعراف، وقد تكلم فيه على بقية مواضعه التي اختلفت فيها المصاحف، وجملتها أربعة عشر موضعا، ذكر منها في هذه الأبيات عشرة مواضع: الموضع الأول: إبراهيم في البقرة أثبتت ياؤه في المدنيين والمكي، وحذفت في العراقيين والشامي، ذكر في "المقنع" في باب ما اختلفت فيه مصاحف أهل الأمصار بالإثبات والحذف بسنده إلى نصير أنه قال: كتبوا في سورة البقرة في بعض المصاحف: إبراهيم بغير ياء، قال أبو عمرو : وبغير ياء وجدت أن ذلك في مصاحف أهل العراق في البقرة خاصة، وكذلك رسم في مصاحف أهل الشام، وقال معلى [ ص: 346 ] ابن عيسى الوراق عن عاصم الجحدري : إبراهيم في البقرة بغير ياء، وكذلك وجد في الإمام. اه.

ولم يذكر الناظم ما في نقل "المقنع" عن عاصم الجحدري من أن ياء: إبراهيم في البقرة محذوفة في الإمام تقليدا للشاطبي في عقيلته، حيث لم يعرج عليه وإن قال الجعبري : إن إسقاطه من العقيلة نقص، قال أبو داود بعد أن نقل عن أبي عمرو ما قاله من أنه وجده بغير ياء في مصاحف أهل العراق في "البقرة" خاصة، وأنه رسم كذلك في مصاحف أهل الشام ما نصه: ورسم ذلك كله -والله أعلم- لقراءتهم ذلك بألف بين الهاء والميم. اه.

وعلى ما في بعض المصاحف من كتب: إبراهيم ، بغير ياء يتعين أن المحذوف منه هو الألف على قاعدة الأسماء الأعجمية، ولا يمكن تقدير المحذوف ياء؛ إذ لا يعهد حذف ياء اختصارا في الوسط إلا ياء: إيلافهم ، وهي بدل من همزة، وقد طرق الجعبري في إثبات الياء وحذفها احتمال القراءتين معا فراجعه إن شئت.

الموضع الثاني: وقالوا اتخذ الله ولدا ذكره في "المقنع" في باب ما اختلفت فيه مصاحف أهل الحجاز والعراق والشام المنتسخة من الإمام بالزيادة والنقصان قال: وهذا الباب سمعناه من غير واحد من شيوخنا من ذلك في: "البقرة" في مصاحف أهل الشام : قالوا اتخذ الله ولدا بغير واو قبل: قالوا ، وفي سائر المصاحف وقالوا بالواو.

الموضع الثالث: "وأوصى بها إبراهيم بنيه" قال في "المقنع": وفي مصاحف أهل المدينة والشام : "وأوصى بها" بألف بين الواوين، قال أبو عبيد : وكذلك رأيتها في الإمام مصحف عثمان رضي الله عنه، وفي سائر المصاحف ووصى بغير ألف.

الموضع الرابع: في "آل عمران": "ويقاتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس"، ذكره في "المقنع" في باب ما اختلفت فيه مصاحف أهل الأمصار بالإثبات والحذف فقال: وفي "آل عمران" في بعض المصاحف: ويقتلون الذين بالألف وفي بعضها: ويقتلون الذين بغير ألف. اه.

ولم يبين الناظم الخلاف في هذا الموضع بل أبهمه تبعا ل: "المقنع" و: "العقيلة"، وقال أبو داود : وكتبوا في مصاحف أهل المدينة والشام : يقتلون الذين يأمرون بغير ألف بعد القاف من القتل، واختلفت مصاحف سائر [ ص: 347 ] الأمصار فيه؛ ففي بعضها ذلك بغير ألف، وفي بعضها: يقاتلون بألف من القتال. اه.

وقد عين الناظم هذا الموضع بتقييده بقوله "تلو حق"، أي: الواقع تاليا لحق أي: بعده.

الموضع الخامس: سارعوا إلى مغفرة من ربكم ، قال في "المقنع": وفي "آل عمران" في مصاحف أهل المدينة والشام : سارعوا إلى مغفرة بغير واو قبل السين، وفي سائر المصاحف: وسارعوا بالواو. اه.

وهو معنى قول الناظم: "والمك والعراق واوا سارعوا"، أي: زادوا سارعوا واوا، واعلم أن الناظم اعتمد في المواضع الأربعة عشر وتعيين مواضع الزيادة فيها والنقصان على ما هو معروف عند أصحاب فن القراءات مشهور عندهم من وجوه الخلاف للقراء في هذه المواضع وتعيين محله منها، فلا يسمع البحث في نظمها بأن يقال مثلا: قوله: "وأوصى" بالألف يوهم أن المراد أنه بالألف بعد الصاد في مقابلة من كتبه بالياء، أو يقال مثلا: قوله "والمك والعراق واوا سارعوا" يوهم أنه في هذه المصاحف بواو بعد العين، وغيرها بحذفها بعدها وعلى ذلك فقس.

الموضع السادس والسابع: جاءوا بالبينات والزبر والكتاب ، قال في "المقنع": وفيها أي: "آل عمران" في مصاحف أهل الشام : وبالزبر وبالكتاب بزيادة باء في الكلمتين كذا رواه خلف بن إبراهيم عن أحمد بن محمد عن علي بن عيسى عن أبي عبيد، عن هشام بن عمار عن أيوب بن تميم، عن يحيى بن الحارث عن ابن عامر، وعن هشام عن سويد بن عبد العزيز، عن الحسن بن عمران عن عطية بن قيس عن أم الدرداء عن أبي الدرداء رضي الله عنه، عن مصاحف أهل الشام، وكذا حكى أبو حاتم أنهما مرسومتان بالباء في مصحف أهل حمص الذي بعث به عثمان إلى الشام، وقال هارون بن موسى الأخفش الدمشقي : إن الباء زيدت في الإمام؛ يعني الذي وجه به إلى الشام في "وبالزير" وحدها، وروى الكسائي عن أبي حيوة شريح بن يزيد أن ذلك كذلك في المصحف الذي بعث به عثمان إلى الشام، والأول أعلى إسنادا وهما في سائر المصاحف بغير باء. اه.

وهذا معنى قول الناظم "بالزبر الشامي بباء شائع" "كذا الكتاب بخلاف عنهم"، يعني عن الناقلين [ ص: 348 ] عن المصحف الشامي.

الموضع الثامن: ما فعلوه إلا قليل منهم ، قال في "المقنع": وفي مصاحف أهل الشام : "ما فعلوه إلا قليلا منهم" بالنصب وفي سائر المصاحف: إلا قليل بالرفع.

الموضع التاسع: في "المائدة": يقول الذين آمنوا قال في "المقنع"، وفي "المائدة" في مصاحف أهل المدينة ومكة والشام :يقول الذين آمنوا بغير واو قبل: يقول0 ، وفي مصاحف أهل الكوفة والبصرة وسائر العراق : ويقول بالواو.

الموضع العاشر: "يا أيها الذين آمنوا من يرتدد" قال في "المقنع": وفيها؛ أي: "المائدة" في مصاحف أهل المدينة والشام :من يرتدد منكم بدالين، وقال أبو عبيد: وكذلك رأيتها في الإمام بدالين، وفي سائر المصاحف: يرتد بدال واحدة ثم قال الناظم:

للدار للشام بلام وهنا     قد حذف الكوفي تا أنجيتنا


وشركاؤهم ليردوهم بيا     للشام في محل همز أبديا


في ساحر العقود مع هود اختلف     وأول بيونس كذا ألف

ذكر في هذه الأبيات الباقي من المواضع الأربعة عشر، وقد تقدم منها عشرة.

والموضع الحادي عشر: في "الأنعام": وللدار الآخرة قال في "المقنع": وفي "الأنعام" في مصاحف أهل الشام : "ولدار الآخرة" بلام واحدة وفي سائر المصاحف بلامين.

والموضع الثاني عشر: لئن أنجيتنا من هذه ، قال في "المقنع": وفيها أي: "الأنعام" في مصاحف أهل الكوفة : لئن أنجيتنا من هذه ، بياء من غير تاء وفي سائر المصاحف بالياء والتاء وليس في شيء منها بألف بعد الجيم.

والموضع الثالث عشر: وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ، قال في "المقنع": وفيها أي: "الأنعام" في مصاحف أهل الشام : " وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركائهم" بالياء، وفي سائر المصاحف: شركاؤهم بالواو.

والموضع الرابع عشر: كلمة: ساحر في "المائدة" والأولى في "يونس"، والتي في "هود"، وذلك قوله تعالى في الأولى: فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين ، وفي الثالثة "قال الكافرون إن هذا إلا ساحر مبين"، وفي الثالثة: ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين ذكر في أبو عمرو الخلاف [ ص: 349 ] بين المصاحف في الثلاثة في باب ما اختلفت فيه مصاحف أهل الأمصار، ولم يتعرض للواقع في الصف، وكذا الجعبري في الجميلة، والخلاف المذكور في رسم الألف على اسم الفاعل وفي حذفها على صيغة المصدر.

تنبيهان:

الأول: استفيد من كلام الناظم المتقدم أن من المواضع ما اختلفت قراءته، ووجد لكل قراءة مصحف يوافقها، وهذا القسم هو المقصود بالنظم، وهو المشار إليه بقوله: "فارسم لكل قارئ منها بما وافقه"، ومن المواضع ما اختلفت قراءته واتفقت المصاحف فيه على موافقة مقرأ ومخالفة آخر، وهذا القسم هو المشار إليه بقوله: "وما خلا عن خلفها فمفرد" على ما تقدم في شرحه، ومن المواضع ما اختلفت قراءته، واحتمل رسم المصاحف كلا من وجوه قراءاته، وهذا القسم هو المشار إليه بقوله: "ووفقن بالرسم ممكن الوفاق"، ومن المواضع ما اتفقت قراءته، واجتمعت المصاحف على مخالفته كالرحمان، وهذا القسم مندرج في قوله: "لكن يراعى المورد"، ومن تقرير هذه الأقسام الأربعة تعلم أنه لا تصح دعوى أن كل مقرأ له مصحف يوافقه صريحا، وكيف تصح دعوى ذلك، وكثير من المواضع اتفقت فيها المصاحف، واختلفت فيها المقارئ كما قدمناه في نحو: الصراط ، و: ننسها ، و: بضنين ، ومثل ذلك "يبصط" في البقرة و: "بصطة" و: "بمصيطر".

الثاني: نص الجعبري في "الجملة"، وفي مواضع من كنز المعاني على أن كون المصحف الموافق للمقرأ عند اختلاف المقارئ والمصاحف هو المشارك في المصر أمر غالب لا لازم، فمن الغالب أكثر المواضع الأربعة عشر المتقدمة، ومن غير الغالب: المنشآت بياء بعد الشين في المصاحف العراقية على مراد كسر الشين على ما قاله الشيخان، وأبو عمرو البصري، وعاصم في إحدى الروايتين عنه، والكسائي من أهل العراق يفتحون الشين، ومنه أيضا: "وما عملت أيديهم" بحذف الهاء من: عملته في المصحف الكوفي مع قراءة عاصم من الكوفيين في إحدى الروايتين عنه بإثبات الهاء. والله أعلم.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث