الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                              ذكر عدة التي ارتفعت حيضتها

                                                                                                                                                                              اختلف أهل العلم في المرأة تطلق فتحيض حيضة أو حيضتين ثم ترتفع حيضتها .

                                                                                                                                                                              فقالت طائفة: تنتظر تسعة أشهر، ثم ثلاثة أشهر، ثم قد حلت .

                                                                                                                                                                              هذا قول عمر بن الخطاب .

                                                                                                                                                                              وروي ذلك عن الحسن البصري، وبه قال مالك بن أنس .

                                                                                                                                                                              وكان الشافعي يقول بهذا القول إذ هو بالعراق، وقال: إنما عني بالحيض هي كان حيضة كحيض، وعمر أعلم بمعنى كتاب الله وهذا قضاؤه بين المهاجرين والأنصار مستقيما لا ينكره منه منكر علمناه، ولا يخالفه .

                                                                                                                                                                              وقال بمصر: وعدة التي تحيض الحيض (وإن تباعد كأنها كانت تحيض في كل سنة أو سنتين فعدتها الحيض) ولا تيأس من الحيض حتى تبلغ السن التي من تبلغها من نسائها لم تحض بعدها، فإذا بلغت ذلك خرجت من أهل الحيض، وكانت من المؤيسات من المحيض اللائي جعل الله عدتهن ثلاثة أشهر واستقبلت بثلاثة أشهر من يوم بلغت سن المؤيسات من المحيض . [ ص: 536 ]

                                                                                                                                                                              قال: وهذا يشبه - والله أعلم - ظاهر القرآن .

                                                                                                                                                                              وقالت طائفة: أقراؤها ما كانت حتى تبلغ سن المؤيسات من المحيض .

                                                                                                                                                                              هذا قول جابر بن زيد، والزهري، وأبي الزناد، والشعبي، والحسن، والنخعي، وطاوس، وعطاء، وعبد الكريم، وسفيان الثوري، والشافعي، وأبي عبيد، وحكاه عن أهل العراق .

                                                                                                                                                                              وقد حكي عن عكرمة قول ثالث وهو: أنها إذا كانت تحيض حيضا مختلفا فإنها ريبة عدتها ثلاثة أشهر، وحكي نحو من هذا القول عن طاوس .

                                                                                                                                                                              وقد روي عن سعيد بن المسيب قول رابع وهو: أنها إذا كانت تحيض في الأشهر مرة فعدتها سنة. وقد رويت أخبار عن عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم تؤيد قول من قال: إذا كانت تحيض فعدتها الحيض، وإن تباعد ما بين الحيضتين .

                                                                                                                                                                              روي أن حبان بن منقذ كانت تحته امرأة من بني هاشم، وامرأة من الأنصار، وأنه طلق الأنصارية وهي يومئذ ترضع ابنا لها، وكانت إذا أرضعت لم تحض، فمرت بها سنة بعد أن طلقها لا تحيض، فتوفي زوجها عند رأس السنة فاختصمت هي والهاشمية إلى عثمان بن عفان [ ص: 537 ] فقضى لها بالميراث وأشرك بينهما، وقال لها عثمان: هذا رأي ابن عمك علي بن أبي طالب رضي الله عنه .

                                                                                                                                                                              وقد ذكرت باقي الأخبار في غير هذا الموضع .

                                                                                                                                                                              وكان أحمد بن حنبل يقول: إذا ارتفعت حيضتها فلم تدر بم ارتفعت تنتظر سنة على حديث عمر، فإن كان من مرض أو علة أو رضاع فإنها تعتد بالحيض. وذكر إسحاق قول عمر رضي الله عنه وذكر أن عليه أهل المدينة، قال: وأرجو إن كان ذلك جائزا، فأما إذا مضت سنتان عند انقطاع حيضها وهي شابة فلا شك أن لا عدة عليها بعد السنتين ولها أن تزوج من شاءت لما جاء أن الغالب من النساء لا يحملن أكثر من سنتين، والمشهور من حبلها تسعة أشهر .

                                                                                                                                                                              وكان أبو عبيد يقول بحديث عمر، قال: وذلك للآية التي فيها ذكر الارتياب، وهي قوله تعالى: ( إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر ) ، وقال في التي حيضها يستقيم بعد: أقراؤها ما كانت .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر: وقد اختلف أهل العلم في معنى قوله تعالى: ( إن ارتبتم ) ، وقد ذكرته في غير هذا الموضع، وأصح هذه الأقاويل قول من قال: أقراؤها ما كانت. وهو آخر قولي الشافعي . [ ص: 538 ]

                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية