الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                              ذكر طلاق السكران

                                                                                                                                                                              اختلف أهل العلم في طلاق السكران.

                                                                                                                                                                              فقالت طائفة: لا يجوز طلاق السكران.

                                                                                                                                                                              كذلك قال عثمان بن عفان، وعمر بن عبد العزيز، والقاسم بن محمد، وطاوس، وعطاء، وروي ذلك عن عكرمة، وجابر بن زيد، وحميد بن عبد الرحمن، وروي ذلك عن ابن عباس، وهذا قول ربيعة بن أبي عبد الرحمن، ويحيى الأنصاري، وعبيد الله بن الحسن، والليث بن سعد، وإسحاق، وأبي ثور، والمزني، وحكي ذلك عن عيسى، والبتي .

                                                                                                                                                                              وقالت طائفة: طلاقه جائز.

                                                                                                                                                                              كذلك قال عطاء، والحسن البصري، ومحمد بن سيرين، والنخعي، ومجاهد، والشعبي، وسعيد بن المسيب، وميمون بن مهران، والحكم، وبه قال مالك بن أنس، وسفيان الثوري، والأوزاعي، وابن شبرمة، [ ص: 251 ] والشافعي، وأبو عبيد، وسليمان بن حرب، والنعمان، وصاحباه، وكان أحمد يقف عن الجواب فيه، وقال: لا أقول فيه شيئا.

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر: وقد احتج بعض من لا يرى طلاق السكران جائزا بأن المكره لما سقط طلاقه لارتفاع مراده وجب كذلك أن يسقط طلاق السكران؛ إذ لا مراد له، وليس في احتجاج من احتج بأن الصلاة تلزم السكران، ولا تلزم المجنون حجة لدفع ما قلناه؛ لأن الصلاة قد تلزم النائم ولا تلزم المجنون، ولو طلق رجل في حال نومه وطلق آخر في حال جنونه لم يقع طلاق واحد منهما.

                                                                                                                                                                              وفي قولهم: إن السكران إذا ارتد لم يستتب في سكره ولم يقتل، دليل على أن لا حكم لقوله، واحتجوا بحديث عثمان - رضي الله عنه - وقالوا: لا نعلم أحدا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - خالفه، وقال بعضهم: وقد أجمع أهل العلم أن الزوجية تامة قبل أن يطلق في حال سكره.

                                                                                                                                                                              ثم اختلفوا في زوال النكاح إذا طلق في حال سكره، فغير جائز أن يوقع طلاق باختلاف لا حجة مع من أوقعه.

                                                                                                                                                                              واختلفوا في حد السكران، وكان سفيان الثوري يقول: السكر اختلاس العقل، وكان يقال: لا يجلد حتى يختلط عقله، فإن استقرئ [ ص: 252 ] وكلم فخلط في قراءته فتكلم بما لا يعرف جلد، فإن أقام القراءة وتكلم بما لا يعرف لم يجلد.

                                                                                                                                                                              وقال أحمد بن حنبل : إذا تغير عقله عن حال صحته فهو سكران، وحكى أحمد عن مالك أنه قال: السكران إذا تغير عن طباعه.

                                                                                                                                                                              وقال إسحاق نحوا من هذا.

                                                                                                                                                                              وقد احتج بعضهم بالحديث الذي.

                                                                                                                                                                              7713 - حدثناه علي بن عبد العزيز، قال: حدثنا حجاج بن المنهال، قال: حدثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن عبد الله بن خبيب، أن عبد الرحمن بن عوف صنع طعاما وشرابا فدعا نفرا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فأكلوا وشربوا حتى ثملوا فقدموا رجلا فصلى بهم المغرب، فقرأ: (قل يا أيها الكافرون * أعبد ما تعبدون * وأنتم عابدون ما أعبد * وأنا عابد ما عبدتم * وأنتم عابدون ما أعبد * لكم دينكم ولي دين) فأنزل الله - عز وجل - ( لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ) .

                                                                                                                                                                              وقال أصحاب الرأي: السكران الذي لا يعقل الرجل من المرأة، ولا السماء من الأرض.

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر: الذي لا يعقل الرجل من المرأة يكون سكران، وقد يقع اسم السكران على من خلط في كلامه استدلالا بالآية. [ ص: 253 ]

                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية