الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية

ابن تيمية - أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني

جزء صفحة
فَمُرَادُ جَهْمٍ مِنْ قَوْلِهِ: «لَا يُوصَفُ اللَّهُ تَعَالَى بِالضَّمِيرِ» يَقُولُ: لَا يُوصَفُ بِسَابِقِ عِلْمٍ فِي نَفْسِهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى يُكَذِّبُهُ بِذَلِكَ، ثُمَّ رَسُولُهُ إِذْ يَقُولُ: «سَبَقَ عِلْمُ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ، فَهُمْ صَائِرُونَ عَلَى ذَلِكَ» ثُمَّ أَسْنَدَ حَدِيثًا عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «جَفَّ الْقَلَمُ عَلَى عِلْمِ اللَّهِ». وَأَسْنَدَ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ الْقَلَمُ فَأَمَرَهُ فَكَتَبَ كُلَّ شَيْءٍ يَكُونُ» قَالَ: فَهَلْ جَرَى الْقَلَمُ إِلَّا بِسَابِقِ عِلْمِ اللَّهِ فِي نَفْسِهِ قَبْلَ حُدُوثِ الْخَلْقِ وَأَعْمَالِهِمْ، وَاللَّهِ مَا دَرَى الْقَلَمُ بِمَاذَا يَجْرِي حَتَّى أَجْرَاهُ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، وَعَلَّمَهُ مَا يَكْتُبُ مِمَّا يَكُونُ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ. وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ أَهْلِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُمْ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ» فَهَلْ كَتَبَ ذَلِكَ إِلَّا بِمَا عَلِمَ؟ فَمَا مَوْضِعُ كِتَابِهِ هَذَا إِنْ لَمْ يَكُنْ عِلْمُهُ فِي دَعْوَاهُمْ؟! وَأَسْنَدَ الْحَدِيثَ الَّذِي فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِّيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ» قَالَ: وَالْأَحَادِيثِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْإِيمَانِ بِسَابِقِ عِلْمِ اللَّهِ كَثِيرَةٌ تَطُولُ إِنْ ذَكَرْنَاهَا، وَفِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ ذَلِكَ مَا يُبْطِلُ دَعْوَى جَهْمٍ فِي أُغْلُوطَتِهِ الَّتِي تَوَهَّمَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي الضَّمِيرِ. قُلْتُ: فَهَذَا الْكَلَامُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ يُبَيِّنُ أَنَّ مُسَمَّى النَّفْسِ عِنْدَ السَّلَفِ وَهُوَ الذَّاتُ، كَمَا قَالَ: «فَنَفْسُ اللَّهِ هُوَ اللَّهُ، وَالنَّفْسُ تَجْمَعُ الصِّفَاتِ كُلِّهَا، فَإِذَا نُفِيَتِ النَّفْسُ نُفِيَتِ الصِّفَاتُ» وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: فَأَخْبَرَ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ أَنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ فِي نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ قَائِمَةٌ بِالْمَوْصُوفِ، فَهَذَا وَنَحْوُهُ يُبَيِّنُ مُرَادَهُمْ، وَأَنَّهُمْ قَصَدُوا رَدَّ مَا أَنْكَرَتْهُ الْجَهْمِيَّةُ مِنْ ذِكْرِ إِثْبَاتِ مُسَمَّى النَّفْسِ لِلَّهِ وَقِيَامِ الْعِلْمِ بِهَا، كَمَا يُذْكَرُ عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ أَشْرَسَ أَنَّهُ قَالَ: «ثَلَاثَةٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مُشَبِّهَةٌ: مُوسَى حَيْثُ قَالَ: إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ [الْأَعْرَافِ: 155] وَعِيسَى حَيْثُ قَالَ: تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ [الْمَائِدَةِ: 116] وَمُحَمَّدٌ حَيْثُ قَالَ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا كُلَّ لَيْلَةٍ» وَبِذَلِكَ يَتَبَيَّنُ مَا ذَكَرَهُ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ؛ حَيْثُ قَالَ: «حَتَّى ادَّعَى جَهْمٌ أَنَّ رَأْسَ مِحْنَتِهِ نَفْيُ الْكَلَامِ، فَقَالَ: مَتَى نَفَيْنَا عَنْهُ الْكَلَامَ فَقَدْ نَفَيْنَا عَنْهُ جَمِيعَ الصِّفَاتِ مِنَ النَّفْسِ وَالْيَدَيْنِ وَالْوَجْهِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ لَا يَثْبُتُ إِلَّا لِذِي نَفْسٍ وَوَجْهٍ وَيَدٍ وَسَمْعٍ وَبَصَرٍ» وَقَالَ عُثْمَانُ: «كَذَبُوا فِيمَا نَفَوْا عَنِ اللَّهِ مِنَ الْكَلَامِ، وَصَدَقُوا فِيمَا ادَّعَوْا أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ الْكَلَامُ إِلَّا لِمَنِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ هَذِهِ الصِّفَاتُ، وَقَدِ اجْتَمَعَتْ فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى رَغْمِ أَنْفُسِهِمْ» فَإِدْخَالُهُ النَّفْسَ هُنَا فِي الصِّفَاتِ وَقَوْلُهُ: «إِنَّ الْكَلَامَ لَا يَثْبُتُ إِلَّا لِذِي نَفْسٍ وَوَجْهٍ وَيَدٍ وَسَمْعٍ وَبَصَرٍ» قَدْ يُشْعِرُ ظَاهِرُهُ أَنَّ مُسَمَّى النَّفْسِ صِفَةٌ لِصَاحِبِهَا؛ لِأَنَّهُ أَضَافَهَا إِلَيْهِمْ وَقَرَنَهَا بِالْوَجْهِ وَالْيَدِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ إِضَافَتَهَا إِلَيْهِ كَإِضَافَتِهَا فِي قَوْلِهِ: تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ [الْمَائِدَةِ: 116] وَفِي قَوْلِهِ: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الْأَنْعَامِ: 54] وَقَدْ قَالَ بَعْدَ هَذَا: «فَنَفْسُ اللَّهِ هِيَ اللَّهُ، وَالنَّفْسُ تَجْمَعُ جَمِيعَ الصِّفَاتِ كُلِّهَا، فَإِذَا نُفِيَتِ النَّفْسُ نُفِيَتِ الصِّفَاتُ» فَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّهُ أَرَادَ الذَّاتَ الَّتِي تَقُومُ بِهَا الصِّفَاتُ كَالْعِلْمِ الْقَدِيمِ، كَمَا ذَكَرَهُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ نَفْسٌ، وَيَكُونَ فِيهَا عِلْمٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي [الْمَائِدَةِ: 116] فَقَوْلُهُ: «إِنَّ الْكَلَامَ لَا يَثْبُتُ إِلَّا لِذِي نَفْسٍ» يُشْبِهُ قَوْلَهُ: «إِلَّا لِذِي حَقِيقَةٍ وَمَاهِيَّةٍ» وَنَحْوَ ذَلِكَ، لَكِنَّ لَفْظَ النَّفْسِ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- يَقْتَضِي حَيَاةَ الْمُسَمَّى بِهَا وَقِيَامَهُ بِنَفَسِهِ بِخِلَافِ لَفْظِ حَقِيقَتِهِ وَمَاهِيَّتِهِ وَذَاتِهِ، فَمُسَمَّى لَفْظِ النَّفْسِ أَخَصُّ، وَهِيَ الَّتِي جَاءَ بِهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَلَمْ يَجِئْ فِيهِمَا ذِكْرُ لَفْظِ حَقِيقَتِهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ، وَلَا لَفْظُ ذَاتٍ فِي الْأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية