الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية

ابن تيمية - أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني

صفحة جزء
وقال الخلال: حدثنا إبراهيم [ ص: 259 ] التيمي، حدثنا آدم قال: حدثنا المبارك بن فضالة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس في قوله: ما كذب الفؤاد ما رأى رأى محمد ربه بفؤاده، وبه حدثنا المبارك عن الحسن مثله.

فإن قيل: فقد ثبت في صحيح البخاري، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله تعالى: وما جعلنا [ ص: 260 ] الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس [الإسراء: 60] قال: هي رؤيا عين أريها النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به إلى بيت المقدس، والشجرة الملعونة في القرآن شجرة الزقوم، وفي رواية عنه: «ليس برؤيا منام».

قيل: ليس في هذا الخبر أنه رأى بعينه «إلا» ما أراه الله إياه، والقرآن قد صرح بأنه أراه من آياته ما أراه؛ لقوله سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا [الإسراء: 1] وقال في النجم: لقد [ ص: 261 ] رأى من آيات ربه الكبرى [النجم: 18] يدل على ذلك أن الله أخبر أنه ما جعل هذه الرؤيا إلا فتنة للناس؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما أخبرهم بها كان ذلك محنة لهم، منهم من صدقه ومنهم من كذبه، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يخبرهم أنه رأى ربه بعينه تلك الليلة.

وقد قال الإمام أبو بكر بن خزيمة بعد أن أثبت رؤية محمد ربه بقول ابن عباس وأبي ذر وأنس، قال: «وقد اختلف عن ابن عباس في تأويل قوله ولقد رآه نزلة أخرى [النجم: 13] فروى بعضهم عنه أنه كان يقول: «رآه بفؤاده» وذكر إسناده، ثم قال: احتج بعض أصحابنا بهذا الخبر أن ابن عباس وأبا ذر كانا يتأولان هذه الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه بفؤاده؛ لقوله تعالى بعد ذكر ما بينا فأوحى إلى عبده ما أوحى ما كذب الفؤاد ما رأى [النجم: 10 - 11] وتأول [ ص: 262 ] قوله تعالى: ثم دنا فتدلى إلى قوله: فأوحى إلى عبده ما أوحى [النجم: 8 - 10] أن النبي صلى الله عليه وسلم دنا من خالقه قاب قوسين أو أدنى، وأن الله أوحى إلى النبي ما أوحى، وأن فؤاد النبي لم يكذب ما رأى، يعنون رؤيته خالقه جل وعلا.

قال أبو بكر: وليس هذا التأويل الذي تأولوه لهذه الآية بالبين، وفيه نظر؛ لأن الله تعالى إنما أخبر في هذه الآية أنه رأى من آيات ربه الكبرى، ولم يعلم الله في هذه الآية أنه رأى ربه عز وجل، وآيات ربنا ليس هو ربنا. قال: واحتج آخرون من أصحابنا في الرؤية بحديث ابن عباس في قوله: وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس [الإسراء: 60] قال: هي رؤيا عين أريها النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به [ ص: 263 ] قال: وليس الخبر أيضا بالبين؛ إن ابن عباس أراد بقوله: «رؤيا عين» رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربه بعينه.

فأما خبر قتادة والحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس، وخبر عبد الله بن أبي سلمة عن ابن عباس فبين واضح أن ابن عباس كان يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه، يعني حديث قتادة عن عكرمة عن ابن عباس «أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم والتكليم لموسى والرؤية لمحمد صلى الله عليه وسلم».

التالي السابق


الخدمات العلمية