الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية

ابن تيمية - أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني

صفحة جزء
الوجه الثاني: أن الإشارة إلى فوق إلى الله في الدعاء وغير الدعاء باليد والأصبع أو العين أو الرأس أو غير ذلك من الإشارات الحسية قد تواترت به السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم واتفق عليه المسلمون وغير المسلمين قال تعالى: قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام [البقرة: 144] وعن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم: " ما من حاكم يحكم بين الناس إلا حبس يوم القيامة وملك آخذ بقفاه حتى يوقفه على جهنم، ثم يرفع رأسه إلى الله عز وجل، فإن قال ألقه ألقاه في مهوى، فيهوي أربعين خريفا" رواه الإمام أحمد في مسنده، وابن ماجه في سننه بمعناه، وعن أبي هريرة " أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم بجارية سوداء عجمية فقال: يا رسول الله علي عتق رقبة مؤمنة. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين الله؟ [ ص: 498 ] فأشارت إلى السماء بأصبعها بالسبابة، فقال لها: من أنا؟ فأشارت بأصبعها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى السماء أي: أنت رسول الله، فقال: أعتقها. رواه أحمد في " مسنده "، والبرقي في " مسنده " أيضا، ورواه ابن خزيمة في " التوحيد " وقد اشترط فيه ألا يحتج فيه إلا بحديث صحيح، وإسناده عن يزيد بن هارون: أخبرنا المسعودي عن عون بن عبد الله عن [ ص: 499 ] أخيه عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة مثله، وقال: " بجارية سوداء لا تفصح، فقال: إن علي رقبة مؤمنة. وقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: من ربك؟ فأشارت بيدها إلى السماء، ثم قال: من أنا؟ فقالت بيدها ما بين السماء والأرض؛ تعني رسول الله والباقي مثله، ورواه أيضا من حديث أبي داود الطيالسي، عن المسعودي بهذا الإسناد مثله، وقال أيضا: " بجارية عجماء لا تفصح. وقال: أعتقها" وقال: فقال المسعودي مرة: " أعتقها فإنها مؤمنة" وقد روي نحو هذا المعنى عن عبيد الله بن عبد الله الزهري مسندا عن أبي هريرة [ ص: 500 ] ومرسلا، ورواه الإمام أحمد وابن خزيمة أيضا من حديث معمر عن الزهري عن عبد الله بن عبد الله عن رجل من الأنصار: " أنه جاء بأمة سوداء فقال: يا رسول الله، إن علي رقبة مؤمنة فإن كنت ترى هذه مؤمنة فأعتقها، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتشهدين أن لا إله إلا الله؟ قالت: نعم. قال: أتشهدين أني رسول الله؟ قالت: نعم. قال: أتؤمنين بالبعث بعد الموت؟ قالت: نعم. قال: أعتقها". ورواه مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا".

قال ابن خزيمة: لست أنكر أن يكون خبر معمر ثابتا صحيحا لست بمنكر لمثل عبيد الله بن عبد الله أن يروي خبرا عن أبي هريرة عن رجل من الأنصار لو كان متن الخبر متنا [ ص: 501 ] واحدا، فكيف وهما متنان، وهما في علمي حديثان لا حديث واحد: حديث عون بن عبد الله في الامتحان، إنما أجابت السوداء بالإشارة لا بالنطق. وفي خبر الزهري أجابت السوداء بنطق ( نعم ) بعد الاستفهام لما قال لها: أتشهدين أن لا إله إلا الله؟" في الخبر أنها- قالت ( نعم )، وكذلك عند الاستفهام قال لها: " أتشهدين أني رسول الله؟ قالت: ( نعم ) نطقا بالكلام؛ والإشارة باليد ليست النطق بالكلام، وفي خبر الزهري زيادة الامتحان بالبعث بعد الموت لما استفهمها: " أتؤمنين بالبعث بعد الموت؟"

التالي السابق


الخدمات العلمية